يواجه القطاع الزراعي في محافظة حماة ضغوطاً متزايدة مع استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج مقابل تدني العائد الاقتصادي للمحاصيل، في وقت يؤكد فيه مزارعون أن غياب الدعم الكافي وتقلبات الأسواق يهددان استمرارية النشاط الزراعي ويزيدان من عزوف كثيرين عن زراعة مساحات كانت تعد من أهم مصادر الإنتاج الغذائي في سوريا.
ويقول مزارعون إن الموسم الحالي جاء مثقلاً بارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة والبذور وقطع الغيار وأجور النقل واليد العاملة، بينما بقيت أسعار العديد من المحاصيل دون مستوى التكاليف الفعلية، الأمر الذي أدى إلى تآكل هوامش الربح، وفي بعض الحالات تكبد المنتجين خسائر مباشرة.
تكاليف تضاعفت خلال عام
وبحسب مزارعين في ريف حماة، ارتفعت أجور العمال الزراعيين خلال الموسم الحالي بنسب تراوحت بين 40 و60 بالمئة مقارنة بالموسم الماضي، كما ارتفعت تكاليف الحراثة والري والنقل نتيجة زيادة أسعار الوقود وأجور الآليات الزراعية.
ويشير مزارعون إلى أن أجرة الجرار الزراعي لحراثة الدونم أو فلاحة الأراضي ارتفعت بصورة ملحوظة، في حين تجاوزت تكلفة نقل بعض المحاصيل إلى مراكز التسويق أو أسواق الهال عدة ملايين من الليرات للشاحنة الواحدة، بحسب المسافة ونوع المحصول، ما أضاف أعباء جديدة على المنتجين.
أسعار لا تغطي كلفة الإنتاج
ويرى مزارعون أن المشكلة الأساسية لا تكمن في ارتفاع التكاليف فقط، وإنما في غياب سياسة تسويقية مستقرة تضمن سعراً عادلاً للمحاصيل، إذ تتعرض الأسواق لتقلبات حادة بسبب ضعف التصدير وتراجع القدرة الشرائية، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار عند ذروة الإنتاج، قبل أن تعاود الارتفاع لاحقاً بعد خروج معظم المحصول من أيدي المزارعين.
ويؤكد عدد من المنتجين أن محاصيل مثل البصل والبطاطا والثوم شهدت خلال المواسم الأخيرة تفاوتاً كبيراً في الأسعار، حيث بيع بعضها بأقل من تكلفة إنتاجه، قبل أن ترتفع الأسعار لاحقاً نتيجة انخفاض الكميات المطروحة في الأسواق، وهو ما يحرم المزارع من الاستفادة من هذه الزيادات.
الإنتاج يتراجع
إلى جانب الأزمة التسويقية، ساهمت الظروف المناخية وشح الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية في انخفاض إنتاجية العديد من المحاصيل، خاصة في المناطق البعلية، فيما ارتفعت تكاليف الري في الأراضي المروية بسبب الاعتماد على الوقود أو الطاقة البديلة.
ويؤكد مختصون أن انخفاض الإنتاجية، بالتوازي مع ارتفاع مستلزمات الإنتاج، أدى إلى زيادة تكلفة الكيلوغرام الواحد من المحاصيل، الأمر الذي انعكس سلباً على دخل المزارعين وأضعف قدرتهم على الاستمرار في الزراعة.
مطالب بتدخل حكومي
ويطالب مزارعون بزيادة مخصصات المحروقات المخصصة للقطاع الزراعي، وتأمين الأسمدة والبذور بأسعار مدعومة، إضافة إلى وضع آليات أكثر فاعلية لتسويق المحاصيل، وفتح باب التصدير عند وجود فائض إنتاج، بما يمنع انهيار الأسعار في مواسم القطاف.
كما يدعون إلى تفعيل دور المؤسسات الحكومية في شراء جزء من الإنتاج وتخزينه، بما يسهم في تحقيق التوازن بين العرض والطلب، ويحد من المضاربات التي تؤثر في الأسعار وتضر بالمزارعين والمستهلكين على حد سواء.
الزراعة أمام تحديات متراكمة
ويرى خبراء اقتصاديون أن القطاع الزراعي، الذي يمثل أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي والاقتصاد السوري، يواجه تحديات متشابكة تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع الموارد المائية، وضعف التمويل، وغياب السياسات التسويقية المستقرة.
ويحذر الخبراء من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع المزيد من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن الزراعة نهائياً، الأمر الذي سينعكس على حجم الإنتاج المحلي وأسعار المواد الغذائية، ويزيد من الضغوط المعيشية على الأسر السورية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة إلى تبني سياسات زراعية واقتصادية أكثر فاعلية، تقوم على دعم المنتج المحلي، وتحسين البيئة الاستثمارية للقطاع الزراعي، وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، بما يضمن استدامة هذا القطاع الحيوي ويحافظ على دوره في تحقيق الأمن الغذائي ودعم الاقتصاد الوطني.