لكل السوريين

أكشاك دمشق.. من مصدر رزق للفقراء إلى استثمار في الأرصفة

لم تعد الأكشاك المنتشرة في شوارع دمشق مجرد مساحات صغيرة لبيع المشروبات أو بعض المواد الغذائية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من المشهد الاقتصادي والاجتماعي للعاصمة، ومصدر دخل لعدد من أصحاب المشاريع الصغيرة ومحدودي الدخل، في وقت تحاول فيه محافظة دمشق إعادة تنظيم هذا القطاع وربطه بصورة أكثر وضوحاً بالمشهد الحضري وآليات الاستثمار في الأملاك العامة.

الحديث المتجدد عن آلية عمل الأكشاك في دمشق أعاد فتح نقاش أوسع حول طبيعة هذه المشاريع، ومن يستفيد منها، وكيف يتم توزيعها، وما إذا كانت قادرة فعلاً على تحقيق الغاية الاجتماعية التي يفترض أن تقوم عليها، ولا سيما أن المحافظة طرحت مشروعاً لتنظيم الأكشاك وإنشاء نماذج موحدة، انطلاقاً من فكرة دعم أصحاب الدخل المحدود والمشاريع الصغيرة وتنشيط الحركة التجارية.

وفي عام 2025 أعلنت محافظة دمشق عن مشروع يضم 222 كشكاً، مع اعتماد مواقع محددة تراعي حركة المشاة وحاجة الأحياء، على أن تكون الأرصفة في المواقع المختارة واسعة بما يكفي وألا تكون الأكشاك قريبة من المحال التجارية بصورة تؤثر في نشاطها. وحددت المحافظة حينها عدداً من الأنشطة المسموح بها، بينها بيع الوجبات السريعة الباردة والمشروبات الساخنة والباردة والمواد الغذائية المغلفة.

لكن الكشك بالنسبة إلى العامل فيه ليس مجرد مشروع تجاري صغير، بل قد يكون مصدر الدخل الوحيد لعائلة كاملة. ومن هنا فإن أي تغيير في آلية الترخيص أو الاستثمار أو الإزالة ينعكس بصورة مباشرة على حياة العاملين وأسرهم، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

وتبرز هنا مسألة مهمة تتعلق بطريقة الاستثمار نفسها. فالمحافظة لا تتعامل مع جميع المواقع باعتبارها متساوية، إذ تختلف قيمة الاستثمار بحسب الموقع وحجم الحركة التجارية فيه، بينما تشير المعطيات الحديثة إلى أن بعض الأكشاك يجري طرحها للاستثمار ببدلات متفاوتة، مع بقاء ملكية الكشك في نهاية مدة العقد للمحافظة. ووفق النموذج المعلن سابقاً، تبلغ مدة إجازة الإشغال أربع سنوات.

وبينما ترى الجهات المحلية أن إعادة تنظيم الأكشاك يمكن أن تساعد في تحسين مظهر العاصمة والحد من العشوائية واستثمار المساحات العامة بصورة أفضل، يرى أصحاب المهن أن نجاح التجربة لا يرتبط بالشكل الخارجي للكشك فقط، وإنما بقدرة العامل على تحمل تكاليف الاستثمار والرسوم والتشغيل، وتحقيق دخل يسمح له بالاستمرار.

وتزداد أهمية هذا النقاش مع اتساع ظاهرة الإشغالات والبسطات في شوارع دمشق. فالمشكلة لا تتعلق دائماً برغبة البائع في مخالفة التنظيم، بقدر ما ترتبط في كثير من الحالات بالحاجة إلى العمل. وقد أظهرت نقاشات محلية خلال العام الحالي أن معالجة الإشغالات تحتاج إلى حلول مستدامة توازن بين حق المارة في الأرصفة والفضاءات العامة، وحق أصحاب الدخل المحدود في الحصول على مصدر رزق.

كما أن السماح للأكشاك بالعمل على مدار 24 ساعة، وفق التعليمات الخاصة بأوقات عمل الفعاليات في دمشق، يجعلها مختلفة عن كثير من الأنشطة التجارية الأخرى، ويضع أمام الجهات الرقابية مسؤولية إضافية تتعلق بالنظافة، والأسعار، وشروط الصحة العامة، وعدم إزعاج السكان، خصوصاً في المواقع الواقعة داخل الأحياء السكنية.

المشكلة إذاً ليست في وجود الأكشاك بحد ذاته، فالمدن الكبرى تحتاج إلى هذه المشاريع الصغيرة، وهي توفر خدمات سريعة وفرص عمل وتفتح المجال أمام أصحاب رؤوس الأموال المحدودة للدخول إلى سوق العمل. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التنظيم إلى مجرد إزالة واستبدال دون معالجة أسباب العشوائية، أو عندما تصبح شروط الاستثمار أعلى من قدرة الفئات التي يفترض أن تستفيد من هذه المشاريع.

دمشق اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف علاقة المدينة بالأكشاك. فبدلاً من النظر إليها كإشغالات يجب التخلص منها، يمكن التعامل معها كقطاع اقتصادي صغير يحتاج إلى تنظيم واضح وشفاف، ومواقع مدروسة، وبدلات قابلة للتحمل، ورقابة حقيقية، ومعايير معلنة تضمن وصول الفرص إلى مستحقيها.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح تجربة الأكشاك الجديدة في الجمع بين تحسين صورة العاصمة وحماية مصدر رزق أصحابها، أم أن ارتفاع كلفة الاستثمار وشروطه قد يدفع المشروع تدريجياً بعيداً عن الفئات محدودة الدخل التي أُعلن أساساً أنه جاء لدعمها؟

- Advertisement -

- Advertisement -