لكل السوريين

“أجور أقل وساعات أطول” .. السوريات في سوق العمل بين الكفاءة والتمييز

السوري ـ الرقة – خاص

لا تبدو مشكلة المرأة السورية في سوق العمل مرتبطة دائماً بقدرتها على أداء المهام أو امتلاك الخبرة، بقدر ما ترتبط في كثير من الحالات بنظرة اجتماعية ومهنية تقلل من قيمة عملها وتتعامل مع أجرها باعتباره قابلاً للتفاوض أكثر من أجر الرجل.

ورغم دخول النساء السوريات إلى مجالات عمل متعددة، بعضها يتطلب جهداً بدنياً ومسؤوليات كبيرة، لا تزال فجوة الأجور وساعات العمل الطويلة وغياب الحماية الوظيفية من أبرز التحديات التي تواجه شريحة واسعة منهن، خصوصاً في الأعمال الخاصة واليومية التي تفتقر إلى عقود واضحة أو آليات رقابة فعالة.

«وظّف فتيات.. بأجور أقل»

تكشف عبارة متداولة في بعض أماكن العمل عن جانب من المشكلة. فقد شهد معدّ هذا التقرير حديثاً بين صاحبَي مكتب حوالات وصرافة في مدينة الرقة، اقترح خلاله أحدهما على الآخر توظيف فتيات «بأجور أقل وساعات عمل أكثر».

قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مجرد اقتراح لتقليل النفقات، لكنها تحمل في مضمونها مشكلة أوسع تتعلق بتحويل جنس العامل إلى معيار لتحديد قيمة أجره، بدلاً من الخبرة والمهارة وساعات العمل والمسؤوليات المطلوبة.

وتطرح هذه الواقعة سؤالاً يتجاوز مكان العمل نفسه: هل أصبحت المرأة في بعض القطاعات خياراً اقتصادياً أرخص لصاحب العمل، بدلاً من النظر إليها باعتبارها عاملة لها الحقوق نفسها؟

الكفاءة لا تُقاس بالجنس

تعمل السوريات في قطاعات متنوعة، من التعليم والصحة والإدارة والمبيعات، وصولاً إلى الأعمال الزراعية والخدمية والحرفية، وتتحمل كثير منهن مسؤوليات مهنية وأسرية متزامنة.

وفي بعض الحالات، تدخل المرأة مجالات كانت تُصنّف تقليدياً على أنها «أعمال للرجال»، وتثبت قدرتها على التعامل مع ساعات العمل الطويلة، وضغط الزبائن، والعمل الميداني والأعمال التي تحتاج إلى جهد وتحمل.

لكن المفارقة تكمن في أن ارتفاع مسؤوليات المرأة لا يعني بالضرورة ارتفاع أجرها، بل قد يحدث العكس؛ إذ تجد بعض العاملات أنفسهن مضطرات إلى قبول أجور منخفضة خشية فقدان فرصة العمل أو بسبب محدودية الخيارات المتاحة أمامهن.

الحاجة الاقتصادية تضعف القدرة على التفاوض

لا يمكن فصل قضية أجور النساء عن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها الأسر السورية. فبالنسبة إلى كثير من النساء، لا يمثل العمل مجرد رغبة في الاستقلال المالي، وإنما أصبح ضرورة للمساهمة في تأمين احتياجات الأسرة.

هذه الحاجة قد تجعل العاملة أكثر قبولاً بشروط لا تكون عادلة بالضرورة، خصوصاً عندما تكون أمام صاحب عمل يملك خيارات متعددة، بينما لا تملك هي سوى عدد محدود من فرص العمل.

وهنا تصبح عبارة «إما أن تقبلي أو نبحث عن غيرك» أداة ضغط غير معلنة، تدفع بعض النساء إلى القبول بأجر أقل أو دوام أطول أو مهام إضافية لا تنسجم مع الاتفاق الأولي.

العمل نفسه.. والأجر مختلف

المشكلة الأكثر حساسية تظهر عندما تؤدي المرأة والرجل المهام نفسها، في المكان نفسه، وبساعات عمل متقاربة، بينما يحصل أحدهما على أجر أعلى لمجرد اختلاف الجنس.

وفي مثل هذه الحالات، لا يعود الحديث عن اختلاف في الخبرة أو المسؤوليات مبرراً، بل يصبح السؤال متعلقاً بالعدالة في تقدير العمل.

كما أن غياب العقود الرسمية في جزء من سوق العمل يجعل إثبات الحقوق أكثر صعوبة، ويترك العاملات أمام تفاوض فردي مع صاحب العمل، غالباً من دون معرفة دقيقة بحقوقهن أو جهة واضحة يلجأن إليها عند حدوث خلاف.

«العمل للمرأة أقل قيمة».. صورة اجتماعية تحتاج إلى تغيير

لا تقتصر المشكلة على أصحاب العمل وحدهم، إذ تتداخل معها نظرة اجتماعية ما تزال موجودة في بعض البيئات، تعتبر أن أجر المرأة يمكن أن يكون أقل لأنها «تساعد أسرتها» أو لأن الرجل هو المعيل الأساسي.

لكن هذا التصور لم يعد ينسجم مع واقع الأسر السورية التي تعتمد في كثير من الحالات على دخل أكثر من فرد، ولا مع حجم المسؤوليات التي تتحملها النساء داخل الأسرة وخارجها.

فالمرأة التي تعمل ثماني ساعات، ثم تعود إلى المنزل لتتحمل الجزء الأكبر من أعمال الرعاية المنزلية، لا تقدم «مساعدة» فقط، وإنما تؤدي عملاً مزدوجاً، أحدهما مدفوع الأجر والآخر غالباً غير مدفوع.

ساعات أطول.. وحقوق أقل

إلى جانب الأجور، تواجه بعض العاملات مشكلة ساعات العمل الطويلة، خصوصاً في المهن التي لا تعتمد نظام دوام واضحاً.

وقد تجد العاملة نفسها مطالبة بالبقاء بعد انتهاء وقت العمل، أو أداء مهام إضافية، أو تغطية غياب زميلة، من دون أن ينعكس ذلك على أجرها.

وتزداد صعوبة الوضع عندما تكون العاملة غير قادرة على رفض هذه المطالب خوفاً من خسارة الوظيفة، ما يخلق علاقة غير متوازنة بين الطرفين.

المرأة لا تبحث عن امتياز.. بل عن عدالة

المطالبة بتحسين أجور النساء لا تعني منحهن امتيازات على حساب الرجال، بل تعني الوصول إلى معيار واضح وعادل يربط الأجر بالعمل الذي يؤديه الشخص، وخبرته، وساعات عمله، والمسؤوليات التي يتحملها.

فالعاملة التي تؤدي المهمة نفسها التي يؤديها زميلها الرجل لا ينبغي أن تصبح أقل قيمة لمجرد أنها امرأة.

كما أن تحسين ظروف العمل لا ينعكس على المرأة وحدها، بل على الأسرة والاقتصاد المحلي، لأن زيادة دخل المرأة تعني قدرة أكبر على الإنفاق على التعليم والصحة والغذاء وتحسين مستوى المعيشة.

من الرقة إلى مختلف المدن السورية

قد تبدو قصة مكاتب الحوالات والصرافة في الرقة حالة محلية، لكنها تفتح باباً لنقاش أوسع حول واقع النساء في سوق العمل السوري.

فالمشكلة لا تتعلق بمهنة محددة أو مدينة بعينها، وإنما تحتاج إلى نقاش مجتمعي حول معايير التوظيف والأجور، وضرورة عدم تحويل حاجة النساء إلى العمل إلى وسيلة لفرض شروط غير عادلة.

ويبقى التحدي الأكبر هو الانتقال من التعامل مع المرأة باعتبارها «يداً عاملة أرخص» إلى الاعتراف بها كقوة اقتصادية ومهنية تستحق أجراً عادلاً مقابل عملها.

وفي بلد تحتاج فيه الأسر إلى كل يد قادرة على العمل، تبدو المفارقة واضحة: كيف يمكن الحديث عن إعادة بناء الاقتصاد، بينما لا تزال قيمة جزء كبير من قوة العمل تُقاس بجنس صاحبها لا بقدرته وكفاءته؟

إن استعادة التوازن في سوق العمل تبدأ من قاعدة بسيطة: العمل المتساوي يستحق أجراً عادلاً، والمرأة ليست خياراً أرخص، بل شريكاً أساسياً في الإنتاج وبناء المجتمع.

- Advertisement -

- Advertisement -