لكل السوريين

إيجارات اللاذقية تحاصر الطلاب.. السكن الجامعي يتحول إلى عبء يتجاوز القدرة على الاحتمال

السوري ـ اللاذقية – خاص 

لم يعد البحث عن غرفة أو منزل في مدينة اللاذقية مهمة سهلة بالنسبة للطلاب القادمين من المحافظات الأخرى، بعدما تحولت تكاليف السكن إلى واحد من أبرز الأعباء التي تواجههم، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الإيجارات وتكاليف الكهرباء والنقل والطعام، في وقت لا تتناسب فيه مداخيل معظم الأسر السورية مع هذه النفقات.

وخلال جولة ميدانية أجراها معد هذا التقرير في مدينة اللاذقية، رصد واقعاً يعكس حجم الضغط الذي يعيشه الطلاب المستأجرون. أحد الطلاب، وهو يقيم في غرفة ضمن بناء سكني، يدفع أكثر من 200 دولار أميركي شهرياً مقابل غرفة واحدة تقع في طابق مرتفع، فيما تضاف إليها نفقات الكهرباء والخدمات والمواصلات والطعام، ما يرفع الكلفة الشهرية للسكن والمعيشة إلى مستويات يصعب على كثير من الأسر تحملها.

ولا تتوقف المشكلة عند أسعار الغرف، إذ إن الطالب الذي يختار استئجار منزل مستقل أو السكن في منطقة قريبة من الجامعة يجد نفسه أمام أسعار أعلى بكثير، خصوصاً في الأحياء التي تشهد طلباً مرتفعاً على السكن.

الزراعة.. حي جامعي بأسعار مرتفعة

يُعد حي الزراعة والمناطق المحيطة به من الخيارات التي يفضلها عدد من الطلاب بسبب قربها من الجامعة والخدمات والمواصلات، إلا أن هذه الأفضلية تنعكس على أسعار الإيجارات.

ويقول الطالب (م. ع)، وهو طالب في السنة الرابعة بكلية الحقوق، إن الطلاب يحاولون قدر الإمكان الابتعاد عن المناطق الأغلى والبحث عن خيارات سكنية أقل كلفة.

ويضيف لـ”صحيفة السوري”: “نحن نسكن في مناطق أرخص مقارنة بحي الزراعة، لأن الأسعار هناك مرتفعة جداً، وقد تصل بعض المنازل إلى أكثر من 600 دولار شهرياً، بحسب الموقع والمساحة والتجهيز.”

وتنسجم هذه الشهادة مع ما تظهره تقارير عقارية عن استمرار ارتفاع قيمة العقارات في اللاذقية، إذ أشارت بيانات منشورة خلال عام 2026 إلى وصول أسعار بعض الشقق في المدينة إلى مستويات مرتفعة، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع قدرتهم الشرائية.

كما تظهر الإعلانات العقارية المحلية استمرار النشاط في سوق الإيجارات والبيع داخل أحياء اللاذقية، ومن بينها منطقة الزراعة، ما يعكس استمرار الطلب على العقارات في المناطق القريبة من الخدمات والجامعة.

من 200 دولار للغرفة إلى 600 دولار للمنزل

الفارق الكبير بين سعر الغرفة وسعر المنزل لا يعني أن الغرفة أصبحت خياراً مريحاً للطلاب؛ فعندما يدفع الطالب أكثر من 200 دولار شهرياً لقاء مساحة محدودة، يصبح السكن وحده مستنزفاً لجزء كبير من ميزانية الأسرة.

أما الطالب الذي يستأجر منزلاً مستقلاً، فقد يجد نفسه أمام مبالغ تتجاوز 400 أو 500 دولار، وقد تصل إلى نحو 600 دولار في بعض المواقع والمنازل، وفقاً للمعاينات والشهادات التي جمعها معد التقرير.

وتشير تقارير سابقة وحديثة إلى أن ارتفاع الإيجارات في اللاذقية ليس ظاهرة جديدة، بل تراكمت أسبابه خلال السنوات الماضية. ففي أعقاب زلزال شباط 2023، تحدثت تقارير عن قفزات كبيرة في إيجارات المنازل، ووصول إيجار بعض البيوت إلى ملايين الليرات، مع ارتفاع الطلب وتراجع الخيارات المتاحة.

وفي عام 2024، وثقت تقارير صحفية أخرى زيادات تراوحت بين 50 و70 وحتى 100 بالمئة في بعض المجمعات السكنية داخل مدينة اللاذقية، ما يعكس حجم الاضطراب الذي شهده سوق الإيجارات خلال السنوات الماضية.

الكهرباء.. فاتورة ثانية فوق الإيجار

لا ينتهي العبء بدفع بدل الإيجار، إذ تضاف إليه تكاليف الكهرباء والخدمات، وهي نفقات قد تشكل جزءاً مهماً من ميزانية الطالب.

وبحسب إفادات طلاب تحدثوا لمعد التقرير، يمكن أن تصل نفقات الكهرباء في بعض الحالات إلى نحو 100 دولار شهرياً، تبعاً لطبيعة السكن ومصدر التغذية الكهربائية والاستهلاك.

وهنا تصبح المعادلة أكثر صعوبة: طالب يدفع أكثر من 200 دولار لقاء غرفة، ثم يتحمل تكاليف الكهرباء والماء والإنترنت والنقل والطعام، ليجد نفسه أمام ميزانية شهرية قد تتجاوز 400 دولار حتى قبل احتساب المصاريف الدراسية أو الطبية أو الطارئة.

وهذه الأرقام تمثل حالات ميدانية وليست متوسطاً رسمياً موحداً لجميع الطلاب أو أحياء المدينة، لكنها تكشف حجم الفجوة بين تكاليف المعيشة والدخل المتاح للأسر.

أزمة السكن تضغط على التعليم

المشكلة الاقتصادية لا تنعكس على حياة الطالب اليومية فقط، بل قد تمتد إلى قدرته على الاستمرار في الدراسة.

فالطالب القادم من محافظة أخرى يحتاج إلى تأمين مكان للسكن والطعام والنقل والكهرباء والإنترنت، إضافة إلى مستلزمات الجامعة والكتب والمصروف الشخصي. ومع ارتفاع كل بند من هذه البنود، تصبح الدراسة الجامعية مشروعاً مكلفاً للأسرة.

وبعض الطلاب يلجأون إلى مشاركة الغرف والمنازل مع زملائهم لتقليل التكاليف، بينما يفضل آخرون السكن في مناطق أبعد عن الجامعة أملاً في العثور على إيجارات أقل، لكن هذا الخيار يضيف تكاليف النقل ويستهلك وقتاً إضافياً في التنقل.

وفي المقابل، فإن السكن الأقرب إلى الجامعة والخدمات غالباً ما يكون أكثر جذباً للطلاب، وبالتالي أكثر تعرضاً للطلب وارتفاع الأسعار.

سوق عقاري منفصل عن القدرة الشرائية

المفارقة التي تكشفها سوق العقارات في اللاذقية هي أن ارتفاع أسعار المساكن لا يأتي بالضرورة متزامناً مع تحسن قدرة السكان على الدفع.

وفي تقرير نشر خلال أيار 2026، وصفت “سيرياستيبس” المشهد العقاري في مدن الساحل بأنه يتسم بفجوة متزايدة بين أسعار العقارات وما يستطيع السكان تحمله، مشيرة إلى استمرار ارتفاع الأسعار رغم تراجع القدرة الشرائية. كما أورد التقرير أن أسعار بعض الشقق في اللاذقية تجاوزت 300 مليون ليرة سورية.

كما أشار تقرير آخر إلى أن سوق اللاذقية شهد ارتفاعاً في أسعار الشقق في عدد من أحيائها، بينها الشيخ ضاهر والعوينة والمشروع السابع، مع استمرار نشاط سوق الإيجارات رغم الجمود النسبي في عمليات البيع والشراء.

وهذا الوضع يجعل الطالب والمواطن صاحب الدخل المحدود الطرف الأضعف في المعادلة، إذ لا يستطيع شراء منزل، وفي الوقت نفسه يجد نفسه مضطراً إلى دفع إيجار مرتفع للحصول على سقف يؤويه.

لماذا ترتفع الأسعار؟

يربط متابعون للسوق العقارية ارتفاع الإيجارات بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع الطلب على السكن في المناطق القريبة من الجامعات والخدمات، ومحدودية الخيارات السكنية المناسبة، إلى جانب ارتفاع تكاليف البناء والصيانة وأسعار العقارات.

كما أن آثار السنوات السابقة، ومنها الزلزال الذي ضرب مناطق واسعة من الساحل السوري عام 2023، ساهمت في الضغط على سوق السكن ورفع الطلب على العقارات الصالحة للسكن. وقد وثقت تقارير صحفية آنذاك تضاعف الإيجارات في مناطق من اللاذقية وريفها.

لكن استمرار ارتفاع الأسعار في السنوات التالية، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية، جعل المشكلة تتحول من أزمة مؤقتة إلى تحدٍ اجتماعي واقتصادي طويل الأمد.

الطالب أمام خيارات محدودة

أمام هذه المعادلة، يجد الطالب نفسه أمام ثلاثة خيارات صعبة: دفع إيجار مرتفع، أو الانتقال إلى مناطق أرخص وأكثر بعداً عن الجامعة، أو مشاركة السكن مع طلاب آخرين.

وفي الحالات الأكثر صعوبة، قد تضطر بعض الأسر إلى إعادة النظر في قدرة أبنائها على الدراسة خارج مناطقهم الأصلية، خصوصاً عندما يصبح السكن وحده قريباً من تكلفة دخل الأسرة الشهري.

وبذلك لم يعد سؤال الطالب: أين سأدرس؟ بل أصبح في كثير من الحالات: أين سأعيش، وكم سأدفع مقابل ذلك؟

الحاجة إلى حلول للسكن الطلابي

تكشف أزمة الإيجارات في اللاذقية عن حاجة متزايدة إلى حلول أكثر استدامة للسكن الجامعي، سواء من خلال زيادة الطاقة الاستيعابية للسكن الطلابي، أو تنظيم سوق الإيجارات، أو توفير خيارات سكنية منخفضة التكلفة للطلاب القادمين من المحافظات.

كما يمكن للجامعات والجهات المحلية دراسة إنشاء قاعدة بيانات للسكن الطلابي المتاح، وتشجيع نماذج السكن المشترك المنظم، بما يساعد الطلاب على الوصول إلى مساكن آمنة بأسعار واضحة ويحد من الاستغلال الناتج عن ارتفاع الطلب.

فالسكن بالنسبة للطالب ليس رفاهية، وإنما جزء أساسي من العملية التعليمية، وتحوله إلى عبء مالي يفوق قدرة الأسرة قد يصبح عائقاً أمام التعليم نفسه.

وبين غرفة تتجاوز 200 دولار، ومنزل قد يصل إلى 600 دولار، وفواتير معيشة أخرى قد تدفع الكلفة الشهرية إلى أكثر من 400 دولار في بعض الحالات، تبدو أزمة السكن في اللاذقية اليوم أكثر من مجرد مشكلة عقارية؛ إنها أزمة معيشية تهدد قدرة شريحة من الطلاب على الاستمرار في حياتهم الجامعية.

- Advertisement -

- Advertisement -