لكل السوريين

موجة غلاء جديدة تضرب الأسواق السورية.. المحروقات تدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع

عاد ملف الأسعار إلى واجهة المشهد الاقتصادي السوري خلال أيلول/سبتمبر، مع تسجيل ارتفاعات متباينة في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، عقب قرار رفع أسعار المشتقات النفطية منتصف الشهر، في وقت تواجه فيه الأسر السورية أصلاً تراجعاً في قدرتها الشرائية وارتفاعاً متواصلاً في تكاليف النقل والمعيشة.

وبينما تداولت تقارير محلية حديثة تقديرات تتحدث عن ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية بأكثر من 25%، تظهر عمليات الرصد الميداني أن الزيادة ليست موحدة بين جميع السلع، إذ تراوحت في دمشق بين 10 و30% في عدد من المواد، فيما تجاوزت 30% في بعض الأصناف. وفي المقابل، تنفي مديرية حماية المستهلك وجود ارتفاع عام وملحوظ في أسعار المواد الأساسية، مؤكدة أن الأسواق، وفق جولاتها الرقابية، ما زالت ضمن حدودها الطبيعية.

المحروقات تفتح باباً جديداً للغلاء

بدأت موجة الارتفاع الحالية بعد دخول نشرة جديدة لأسعار المشتقات النفطية حيز التنفيذ في 13 أيلول، إذ ارتفع سعر ليتر البنزين أوكتان 95 إلى 195 ليرة سورية جديدة، والبنزين أوكتان 90 إلى 185 ليرة، بينما وصل سعر المازوت إلى 175 ليرة، في زيادات قالت وزارة الطاقة إنها مؤقتة ومرتبطة بارتفاع تكاليف تأمين المشتقات النفطية عالمياً، إضافة إلى أعمال الصيانة في مصفاة بانياس والحاجة إلى زيادة الاعتماد على استيراد المنتجات النفطية الجاهزة.

ولم يتوقف تأثير القرار عند محطات الوقود، بل امتد إلى أجور النقل والشحن وتكاليف نقل المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، الأمر الذي انعكس تدريجياً على أسعار السلع، ولا سيما المواد التي تعتمد بصورة كبيرة على النقل أو تدخل المحروقات في إنتاجها وتوزيعها.

السكر يرتفع أكثر من 30% والخضار تسجل قفزات أكبر

وفي رصد للأسواق في دمشق خلال النصف الثاني من أيلول، ارتفع سعر كيلو السكر من نحو 80 إلى 105 ليرات سورية جديدة، بزيادة تقارب 31%، بينما ارتفع الأرز التايلندي من 125 إلى 150 ليرة، أي نحو 20%، وصعد سعر ليتر الزيت النباتي من 230 إلى 270 ليرة، بزيادة تقارب 17%.

كما سجلت بعض أصناف السمن النباتي ارتفاعات تراوحت بين 30 و60 ليرة، في حين ارتفعت أسعار الخضار والفواكه بنسب متفاوتة، تراوحت في عدد من الأصناف بين 10 و25%، لكنها تجاوزت هذه النسبة في بعض الحالات؛ إذ ارتفع سعر كيلو الخيار، وفق الرصد ذاته، من 60 إلى 85 ليرة، أي بنحو 42%. كما ارتفعت أسعار البندورة والبطاطا بدرجات متفاوتة.

أما الألبان والأجبان فسجلت زيادات أقل نسبياً، تراوحت في عدد من الأصناف بين 10 و15%، ما يؤكد أن الحديث عن ارتفاع موحد بنسبة 25% لجميع المواد الغذائية لا يعكس واقع السوق بصورة دقيقة.

من دمشق إلى المحافظات.. تفاوت كبير في الأسعار

ولا تبدو موجة الغلاء متشابهة في مختلف المناطق السورية. فقد أشار تحليل حديث لمنظمة ACAPS إلى ارتفاع أسعار الخضار والفواكه والمواد الغذائية في محافظة اللاذقية بنحو 10 إلى 20% عقب رفع أسعار الوقود، بينما سجلت بعض الأصناف في محافظة الحسكة زيادات وصلت إلى 60%.

وفي منطقة ديريك، على سبيل المثال، ارتفع سعر الطماطم بنحو 55.6%، والبطاطا بنحو 50%، والتفاح بنحو 33.3%، وفق البيانات التي رصدتها المنظمة في أيلول. وتعكس هذه الفوارق أهمية النقل والمسافة عن مناطق الإنتاج وتكاليف الإمداد في تحديد السعر النهائي للسلعة.

المواطن يقلل الكمية بدلاً من شراء حاجته

لا تقف آثار ارتفاع الأسعار عند أرقام السوق، بل تمتد مباشرة إلى سلوك الأسر. فمع ارتفاع أسعار الغذاء والنقل في الوقت نفسه، أصبح كثير من المستهلكين يميلون إلى شراء كميات أقل، أو الانتقال إلى أصناف أرخص، أو الاستغناء عن بعض المواد التي كانت جزءاً ثابتاً من مشترياتهم.

وتشير شهادات رصدتها تقارير ميدانية في دمشق إلى أن بعض الأسر باتت تحسب تكلفة الوجبة قبل إعدادها، فيما تراجع شراء بعض المواد بكميات تكفي لأيام أو أسابيع، في ظل ثبات نسبي في الدخول مقابل تغير سريع في الأسعار.

هذه المعادلة تضع الأسر محدودة الدخل أمام ضغوط مزدوجة؛ فارتفاع تكلفة الغذاء يتزامن مع ارتفاع كلفة التنقل، بينما يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكاليف نقل البضائع وإنتاجها، بما يخلق حلقة تبدأ من الطاقة ولا تنتهي عند رف المتجر.

حماية المستهلك: لا ارتفاع عام ومبرر

في المقابل، تقول مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء في وزارة الاقتصاد إن جولاتها الأخيرة لم ترصد ارتفاعاً عاماً وملحوظاً في أسعار المواد الأساسية، مؤكدة أن نتائج السبر السعري تشير إلى استقرار نسبي في الأسواق، وأن المديريات في المحافظات تلقت توجيهات بتكثيف الرقابة وضبط أي زيادة غير مبررة.

ويضع هذا التصريح الرسمي رواية مغايرة لما رصدته وسائل إعلام ومصادر ميدانية في عدد من الأسواق، ما يجعل من الصعب الحديث عن نسبة واحدة تشمل جميع المواد الغذائية في سوريا. فالبيانات المتاحة خلال أيلول تشير بوضوح إلى وجود ارتفاعات في أسعار عدد من السلع، لكنها تختلف من مادة إلى أخرى ومن محافظة إلى أخرى ومن سوق إلى آخر.

أزمة أسعار أم أزمة قدرة شرائية؟

المشكلة الأبرز بالنسبة للمستهلك السوري لا تكمن فقط في نسبة ارتفاع سلعة بعينها، وإنما في تراكم الزيادات على الغذاء والنقل والطاقة وغيرها من الاحتياجات الأساسية في فترة زمنية قصيرة.

ومع كل زيادة جديدة، تتقلص المساحة المتاحة أمام الأسر للإنفاق على الاحتياجات غير الغذائية، بينما يؤدي تراجع المبيعات إلى الضغط على التجار والمنتجين أيضاً. فارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة زيادة الأرباح، إذ قد يترافق مع انخفاض الطلب واضطرار المستهلك إلى تقليل الكميات أو اختيار بدائل أقل سعراً.

وبذلك تبدو الأسواق السورية خلال أيلول أمام معادلة اقتصادية شديدة الحساسية: ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل من جهة، وتراجع القدرة الشرائية من جهة أخرى، وبينهما سوق يحاول التجار والمنتجون والمستهلكون التأقلم مع أسعار متحركة يصعب تثبيتها.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للأسر السورية: إلى أي مدى تستطيع الدخول الحالية مواكبة الارتفاع المتسارع في تكاليف المعيشة، وما الإجراءات القادرة على منع انتقال زيادة كلفة الطاقة إلى موجة أوسع من الغلاء الغذائي؟

- Advertisement -

- Advertisement -