لكل السوريين

تركيا في ليبيا.. من حليف لطرابلس إلى لاعب يبحث عن مفاتيح الشرق

لم تعد تركيا تتعامل مع الأزمة الليبية من بوابة طرابلس وحدها. فأنقرة التي رسخت خلال السنوات الماضية حضوراً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً قوياً في غرب ليبيا، بدأت خلال الأشهر الأخيرة بتوسيع اتصالاتها مع القوى الموجودة في الشرق، في تحرك يعكس محاولة لإعادة رسم موقعها داخل المشهد الليبي، بما يحفظ نفوذها ومصالحها أياً كان شكل التسوية المقبلة.

وفي آب الماضي، أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان جولة شملت طرابلس وبنغازي، والتقى خلالها رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، قبل أن ينتقل إلى الشرق للقاء خليفة حفتر ونجله صدام حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح ومسؤولين آخرين. وتقول أنقرة إن الجولة جاءت في إطار سياسة «ليبيا واحدة» ودعم الحوار وتوحيد المؤسسات.

لكن القراءة السياسية لهذه التحركات تطرح سؤالاً مختلفاً: هل انتقلت تركيا فعلاً إلى موقع الوسيط، أم أنها تعيد توزيع أوراق نفوذها بما يتناسب مع موازين القوى الجديدة؟

فتركيا ليست طرفاً خارجياً بلا مصالح في ليبيا. حضورها العسكري والأمني في الغرب، إلى جانب علاقاتها الاقتصادية واتفاقاتها في مجالات الطاقة والدفاع والتجارة، يجعلها جزءاً من معادلة الصراع الليبي، وليس مجرد جهة تسعى إلى تقريب وجهات النظر بين أطرافه. ولذلك فإن انتقال أنقرة إلى التواصل مع الشرق يمكن قراءته باعتباره محاولة لتوسيع دائرة النفوذ، وليس فقط بحثاً عن تسوية سياسية.

أنقرة تفتح الباب أمام الشرق

اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة في أنقرة في العاشر من أيلول، برعاية رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، شكل واحدة من أبرز إشارات التحول في السياسة التركية تجاه ليبيا.

ووفق ما أعلن عقب اللقاء، اتفق الطرفان على استئناف اجتماعات لجنة «6+6» المتعلقة بالقوانين الانتخابية، في خطوة تهدف نظرياً إلى إعادة تحريك المسار المؤدي إلى الانتخابات وإنهاء حالة الانقسام المؤسساتي.

وقدمت تركيا نفسها من خلال هذا اللقاء باعتبارها مساحة قادرة على جمع شخصيات سياسية تمثل مراكز نفوذ متنافسة. غير أن السؤال يبقى حول طبيعة هذه الوساطة وحدودها، خصوصاً أن أنقرة تدخل الحوار وهي تحمل في الوقت ذاته شبكة واسعة من المصالح السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الدور التركي: الطرف الذي يمتلك مصالح واسعة في المشهد نفسه يحاول تقديم نفسه بوصفه جسراً بين أطرافه.

من حماية حليف إلى حماية النفوذ

خلال مراحل سابقة من الأزمة الليبية، ارتبط اسم تركيا بصورة أساسية بحكومة طرابلس والقوى العسكرية والسياسية المتحالفة معها، وبلغ التعاون بين الجانبين مستويات عسكرية وأمنية واضحة.

أما اليوم، فتبدو أنقرة أكثر حرصاً على عدم حصر علاقتها في معسكر واحد. زيارة فيدان إلى بنغازي ولقاؤه خليفة حفتر وعقيلة صالح وصدام حفتر، ثم استضافة أنقرة لقاء صالح وتكالة، يعكسان رغبة تركية في بناء قنوات اتصال مع القوى التي تمسك بجزء أساسي من القرار السياسي والأمني والاقتصادي في شرق البلاد.

هذه السياسة تمنح تركيا هامش حركة أكبر، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول الهدف النهائي منها. فالتواصل مع جميع الأطراف يمكن أن يكون مدخلاً إلى تسوية سياسية، لكنه يمكن أيضاً أن يتحول إلى وسيلة لضمان موطئ قدم في أي ترتيبات جديدة، سواء على مستوى السلطة أو الأمن أو الطاقة أو إعادة الإعمار.

المصالح قبل الوساطة

يصعب فصل التحرك التركي عن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية التي دفعت أنقرة إلى تعزيز وجودها في ليبيا خلال السنوات الماضية.

فالموقع الجغرافي لليبيا، وثرواتها النفطية، وموقعها على البحر المتوسط، إضافة إلى ملفات الطاقة وإعادة الإعمار، تجعل البلاد ساحة مهمة للتنافس الإقليمي والدولي.

وبالتالي، فإن توسيع تركيا لعلاقاتها مع الشرق لا يعني بالضرورة تخليها عن شراكتها مع طرابلس، بل قد يعني العكس تماماً: محاولة امتلاك قنوات اتصال متعددة تمنع خسارة النفوذ إذا تغيرت موازين القوى أو تشكلت حكومة جديدة.

ويؤكد استمرار اللقاءات التركية الليبية هذا الاتجاه؛ ففي 19 أيلول، التقى رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن مسؤول الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية عبد السلام الزوبي في إسطنبول، وبحث الطرفان التعاون الأمني وجهود توحيد المؤسسات السياسية والعسكرية.

وبذلك، لا تبدو تركيا وكأنها تغادر طرابلس باتجاه بنغازي، بل تحاول الإمساك بالمسارين معاً.

الوساطة.. أم إدارة النفوذ؟

تقدم أنقرة خطاباً سياسياً يركز على وحدة ليبيا واستقرارها وتوحيد مؤسساتها، وهو خطاب يصعب الاعتراض عليه من حيث المبدأ. لكن المشكلة تبدأ عند الانتقال من الشعارات إلى المصالح.

فالوسيط التقليدي يفترض فيه قدراً من المسافة عن أطراف النزاع، بينما تمتلك تركيا حضوراً مباشراً في الملف الليبي، بما في ذلك التعاون العسكري والأمني والعلاقات الاقتصادية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت تركيا قادرة على التواصل مع الأطراف الليبية، فقد أثبتت قدرتها على ذلك، وإنما ما إذا كانت قادرة على استخدام هذه القنوات لدفع الليبيين نحو تسوية لا ترتبط حصراً بحسابات القوى الخارجية.

وتزداد أهمية هذا السؤال مع دخول الولايات المتحدة والأمم المتحدة وأطراف إقليمية أخرى على خط البحث عن صيغة لإنهاء الانقسام الليبي. فالبلاد تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح متعددة، من النفط والطاقة إلى الأمن والهجرة والموقع الاستراتيجي في البحر المتوسط.

لجنة «6+6» أمام اختبار جديد

إعادة الحديث عن لجنة «6+6» تمنح التحرك التركي عنواناً سياسياً واضحاً، لكن استئناف الاجتماعات لا يعني تلقائياً أن الانتخابات أصبحت قريبة.

فالقوانين الانتخابية ليست سوى جزء من أزمة أوسع تشمل شكل السلطة التنفيذية المقبلة، وتوزيع المناصب السيادية، وترتيبات المؤسسة العسكرية والأمنية، وآليات إدارة الموارد، فضلاً عن الخلافات حول شروط الانتخابات نفسها.

ولهذا، فإن استضافة تركيا للاجتماعات قد تمنح العملية السياسية مساحة جديدة للحوار، لكنها لا تستطيع بمفردها إزالة الخلافات العميقة بين القوى الليبية.

تركيا تريد مقعداً على طاولة المستقبل

يبدو التحول التركي في ليبيا أقرب إلى إعادة تموضع منه إلى تغيير كامل في السياسة. فأنقرة لا تتخلى عن علاقاتها الوثيقة مع طرابلس، لكنها في الوقت نفسه تفتح قنوات مع بنغازي وحفتر ومجلس النواب، وتسعى إلى الظهور كطرف يستطيع التواصل مع جانبي الانقسام.

وهذا يمنحها نفوذاً تفاوضياً أكبر، لكنه يجعل أي حديث عن «وساطة محايدة» بحاجة إلى تدقيق، لأن المصالح التركية في ليبيا ليست هامشية، بل ترتبط بملفات استراتيجية واقتصادية وأمنية واسعة.

وفي المحصلة، فإن التحرك التركي لا ينبغي قراءته فقط باعتباره مسعى لإنقاذ العملية السياسية الليبية، بل باعتباره أيضاً محاولة لضمان أنقرة موقعاً متقدماً في ليبيا ما بعد الانقسام.

ويبقى الاختبار الفعلي لهذا الدور في النتائج، لا في عدد اللقاءات. فإذا أسهمت القنوات التركية في دفع الأطراف الليبية نحو انتخابات وتوحيد المؤسسات، فستكون أنقرة قد نجحت في تحويل نفوذها إلى أداة للتقريب السياسي. أما إذا بقيت الاتصالات مرتبطة بتثبيت المصالح التركية وتوسيع شبكة النفوذ، فإن الحديث عن الوساطة سيبقى واجهة لدور إقليمي أوسع.

وفي ليبيا، حيث تتعدد القوى المحلية وتتداخل معها حسابات دولية وإقليمية، لا تبدو أنقرة مستعدة لترك مقعدها على طاولة المستقبل. السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل تستخدم تركيا نفوذها لمساعدة الليبيين على إنهاء الانقسام، أم تستخدم مسار التسوية نفسها لضمان استمرار نفوذها بعد انتهاء الانقسام؟

- Advertisement -

- Advertisement -