تتفاقم مشكلة النفايات في عدد من المحافظات السورية مع استمرار انتشار المكبات العشوائية وتراكم القمامة بالقرب من المناطق السكنية، في مشهد بات يتكرر بصورة شبه يومية، ويثير شكاوى الأهالي من الروائح الكريهة والحشرات ومخاطر التلوث، وسط تساؤلات عن قدرة الجهات المعنية على ضبط عمليات التخلص من النفايات وتحسين واقع النظافة العامة.
ولا تقتصر المشكلة على المشهد غير الحضاري الذي تتركه أكوام القمامة في الشوارع والأحياء، بل تتجاوز ذلك إلى تداعيات بيئية وصحية، خصوصاً عندما تتراكم النفايات لفترات طويلة دون ترحيل، أو يجري التخلص منها في مواقع غير مخصصة، بالقرب من المنازل والأسواق والمرافق العامة.
ويجد السكان في بعض المناطق أنفسهم أمام واقع يومي مزعج، إذ تتحول المساحات القريبة من مساكنهم إلى نقاط لتجميع النفايات، ما يفرض عليهم التعامل مع الروائح المنبعثة وانتشار الحشرات، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بحرق القمامة وما ينتج عنه من دخان وملوثات تؤثر في جودة الهواء.
مشكلة تتجاوز جمع القمامة
يرتبط تلوث البيئة بالنفايات بمجموعة من العوامل، في مقدمتها ضعف انتظام عمليات الجمع والترحيل، وعدم كفاية الحاويات في بعض المناطق، إلى جانب غياب الرقابة الفاعلة على مواقع التخلص من المخلفات. كما تسهم الممارسات الفردية الخاطئة، مثل رمي النفايات في الأراضي الفارغة وعلى أطراف الطرق، في توسيع نطاق المشكلة وتحويلها إلى عبء يصعب احتواؤه.
ولا تتوقف المخاطر عند النفايات المنزلية، إذ تزداد خطورة الوضع عندما تختلط المخلفات العضوية بالبلاستيكية أو الطبية أو الصناعية، من دون فرز أو معالجة مناسبة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تلوث التربة والمياه، ويزيد من احتمالات التعرض لمخاطر صحية وبيئية.
وتشكل عمليات حرق النفايات المكشوفة إحدى الممارسات الأكثر إثارة للقلق، لما قد تنتجه من ملوثات هوائية، في وقت تفتقر فيه كثير من المناطق إلى بدائل منظمة وآمنة للتخلص من المخلفات.
الرقابة البيئية.. الحلقة الأضعف
إن الحد من التلوث لا يمكن أن يتحقق بمجرد تكثيف حملات النظافة أو ترحيل القمامة بصورة مؤقتة، بل يتطلب معالجة شاملة تبدأ بضبط مصادر النفايات، وتنظيم عمليات جمعها ونقلها، وصولاً إلى تطوير مواقع الطمر والمعالجة وإعادة التدوير، وفق معايير تحمي البيئة والسكان.
وتبرز الحاجة إلى تعزيز منظومة الرقابة البيئية، من خلال متابعة المكبات ومواقع تجميع النفايات، ومنع إقامة نقاط عشوائية بالقرب من التجمعات السكنية، ومحاسبة الجهات أو الأفراد الذين يتسببون بتلوث البيئة، إلى جانب توفير آليات واضحة لاستقبال شكاوى الأهالي والاستجابة لها.
كما تمثل إعادة تدوير النفايات وفصل المواد القابلة للاستفادة منها خطوة مهمة لتقليل الكميات التي تصل إلى المكبات، وتخفيف الضغط على البلديات، وتحويل جزء من المخلفات إلى موارد اقتصادية بدلاً من بقائها مصدراً للتلوث.
مسؤولية مشتركة وحق في بيئة نظيفة
في المقابل، لا تنفصل مسؤولية الحفاظ على النظافة العامة عن سلوك المجتمع، إذ يؤدي رمي النفايات في غير أماكنها، أو تركها بجوار الحاويات وعلى الطرقات، إلى تفاقم المشكلة حتى في المناطق التي تتوفر فيها خدمات الجمع. غير أن تحميل السكان مسؤولية التلوث وحدهم لا يعالج أوجه القصور في الخدمات، ولا يعفي الجهات المعنية من واجباتها في توفير بنية مناسبة لإدارة النفايات.
وتحتاج المدن والبلدات السورية إلى خطط واضحة ومستدامة لإدارة المخلفات، تراعي التوسع العمراني والكثافة السكانية، وتضمن توزيع الحاويات بصورة مناسبة، وانتظام عمليات الترحيل، وتوفير مواقع معالجة وطمر آمنة، إلى جانب حملات توعية مستمرة تستهدف مختلف الفئات.
وبينما تتزايد الحاجة إلى تحسين الواقع البيئي في سوريا، تبقى النفايات المتراكمة بالقرب من الأحياء السكنية مؤشراً على تحديات أوسع في إدارة الخدمات العامة، وعلى ضرورة الانتقال من الحلول المؤقتة إلى سياسات بيئية أكثر فاعلية واستدامة.
فالحد من التلوث يبدأ من ضبط مصادر النفايات، لكنه لا يكتمل إلا بمنظومة متكاملة تجمع بين الإدارة الجيدة والرقابة الصارمة والمشاركة المجتمعية، بما يضمن حق السكان في بيئة نظيفة وآمنة، بعيداً عن مخاطر القمامة التي باتت جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية.