لكل السوريين

التراث السوري بين دمار الحرب وخطر النسيان.. ما لا تعيده حجارة الإعمار

لم تقتصر خسائر سوريا خلال سنوات الحرب على المباني المدمرة والأحياء التي تحولت إلى أنقاض، بل امتدت إلى جوانب أكثر عمقاً من حياة السوريين، طالت ذاكرتهم وهويتهم الثقافية والاجتماعية. فإلى جانب المواقع الأثرية والمباني التاريخية التي تعرضت للتدمير والتخريب، تراجعت حرف تقليدية توارثتها الأجيال، وضاعت حكايات شعبية ومعارف محلية رحل أصحابها من دون أن تجد من يوثقها.

ومع تصاعد الحديث عن إعادة الإعمار وعودة الحياة إلى المدن والبلدات المتضررة، يبرز سؤال يتجاوز ترميم الجدران وإعادة تأهيل الشوارع: هل تستطيع سوريا استعادة تراثها الذي فقدته، أم أنها تخاطر بخسارته مرتين، الأولى بفعل الحرب، والثانية بسبب الإهمال والنسيان؟

فالمبنى التاريخي يمكن ترميم أجزاء منه، والسوق القديمة يمكن إعادة بناء بعض دكاكينها، لكن القيمة الحقيقية للمكان لا تكمن في الحجارة وحدها، بل في تفاصيل الحياة التي احتضنها، والحرفيين الذين عملوا فيه، والعائلات التي سكنت أحياءه، والقصص التي انتقلت بين أجياله.

دمار تجاوز المباني

تقدم مدينة حلب القديمة نموذجاً واضحاً لحجم الخسائر التي لحقت بالتراث العمراني السوري، إذ تعرضت أحياء وأسواق ومبانٍ تاريخية فيها لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب، طالت معالم بارزة بينها الجامع الأموي والقلعة والأسواق القديمة. ولم تكن الأضرار مجرد انهيار في الجدران والأسقف، بل مست نسيجاً عمرانياً تشكل عبر قرون، وكانت تفاصيله شاهدة على تاريخ المدينة وحياة سكانها.

ولم تكن حلب وحدها في مواجهة هذا المصير، فقد طالت الأضرار مواقع أثرية وتاريخية في تدمر وأفاميا وماري وبصرى الشام والقرى الأثرية في شمال سوريا، فضلاً عن القلاع والأديرة والكنائس والمساجد القديمة. كما ساهمت عمليات التنقيب غير الشرعي والنهب والاتجار بالقطع الأثرية في توسيع دائرة الخسائر، وجعلت استعادة بعض المواقع أكثر تعقيداً.

وفي تدمر، لم تتوقف الخسائر عند المعالم الأثرية الشهيرة، بل امتدت إلى المدينة ومحيطها الاجتماعي، حيث تعرضت المنطقة لسنوات من العنف والنزوح والدمار، ما انعكس على ارتباط السكان بمواقعهم التاريخية وعلى قدرتهم على الحفاظ على ذاكرتهم المحلية.

وتزداد صعوبة المشهد مع وجود مواقع لم تخضع لتقييم شامل، فضلاً عن نقص الإمكانات والخبرات المتخصصة اللازمة لترميم الأبنية وفق معايير تحافظ على قيمتها التاريخية، بعيداً عن عمليات إعادة البناء التي قد تستعيد شكل المبنى، لكنها تفقده أصالته وتفاصيله المعمارية.

حرف تقليدية تواجه الاندثار

لا يسكن التراث السوري المباني التاريخية وحدها، بل يعيش أيضاً في أيدي الحرفيين الذين توارثوا مهاراتهم جيلاً بعد جيل. فالزجاج الدمشقي، والنسيج اليدوي، والنقش على النحاس، وصناعة العود، وصابون الغار، والحفر على الخشب، ليست مجرد مهن قديمة، وإنما جزء من هوية المدن السورية وذاكرتها الاقتصادية والاجتماعية.

وخلال السنوات الماضية، واجهت هذه الحرف تحديات متراكمة، نتيجة تراجع الأسواق، وارتفاع تكاليف المواد الأولية، وهجرة أصحاب الخبرات، وضعف فرص انتقال المهنة إلى الأجيال الجديدة. ومع إغلاق عدد من الورش أو تراجع نشاطها، أصبحت بعض المهارات مهددة بالاختفاء، خصوصاً تلك التي تعتمد على خبرة شخصية يصعب نقلها إلى شخص آخر بمجرد الاطلاع على طريقة العمل.

ويعكس إدراج صناعة الزجاج التقليدي السوري عام 2023 ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل حجم المخاوف على مستقبل هذه الحرفة. كما أن إدراج عناصر أخرى من التراث السوري، بينها مسرح خيال الظل، يعكس أهمية حماية الممارسات الثقافية التي لا يمكن الحفاظ عليها بمجرد ترميم المواقع الأثرية.

فالحرفة التي لا تجد سوقاً يضمن استمرارها، ولا متدربين يتعلمون أصولها، تتحول تدريجياً إلى صور محفوظة في الأرشيف، بعد أن كانت جزءاً حياً من الحياة اليومية. ولذلك فإن حماية الحرف التقليدية تحتاج إلى دعم أصحابها اقتصادياً، وتوفير المواد اللازمة لهم، وتشجيع الشباب على تعلمها، وفتح أسواق تتيح استمرارها وتحول دون انقطاع سلسلة نقل الخبرات.

ذاكرة ترحل مع أصحابها

لكن الخسارة الأكثر صعوبة في التعويض قد تكون تلك التي لا تظهر في تقارير الدمار ولا يمكن قياسها بالأرقام، وهي ضياع الذاكرة الشفهية.

ففي القرى والأحياء القديمة، تختزن ذاكرة كبار السن تفاصيل لا توجد بالضرورة في الكتب والوثائق، من أسماء الأماكن وأسباب تسميتها، إلى طرق الزراعة والبناء والعلاج الشعبي، والأغاني والأمثال والحكايات التي تناقلتها العائلات عبر أجيال طويلة.

ومع النزوح والتشتت وتفكك الروابط الاجتماعية، تفرقت هذه الذاكرة بين مناطق وبلدان مختلفة، فيما رحل كثير من كبار السن من دون أن توثق شهاداتهم، وضاعت معهم تفاصيل عن أنماط حياة كاملة يصعب استعادتها لاحقاً.

وفي مناطق الرقة ودير الزور والحسكة، لا تقتصر أهمية الذاكرة الشفهية على الحكايات الشعبية، بل تشمل تاريخ القرى والعائلات والعادات المحلية والزراعة والفرات والحرف التي ارتبطت بحياة السكان. وهي تفاصيل تشكل جزءاً من هوية المنطقة، ولا يمكن اختزالها في صور للمواقع أو سجلات إدارية.

فقد يعاد بناء منزل قديم، لكن لا يمكن استعادة صوت صاحبه وهو يروي تاريخ بنائه، ولا إعادة إنتاج علاقة اجتماعية تشكلت على مدى عقود ثم تفرقت بفعل الحرب. كما أن تسجيل أغنية شعبية بعد سنوات من غيابها لا يعوض بالضرورة السياق الذي كانت تؤدى فيه، ولا الذكريات التي ارتبطت بها.

إعادة الإعمار ليست مجرد بناء

ومع دخول سوريا مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، تبرز ضرورة ألا تتحول عملية البناء إلى سباق لإزالة آثار الدمار من دون مراعاة القيمة التاريخية والثقافية للأماكن.

فترميم المباني القديمة يحتاج إلى خبرات متخصصة ومواد وأساليب تحافظ على طابعها المعماري الأصلي، وليس إلى استبدالها بمنشآت حديثة تحمل الاسم نفسه فقط. كما يتطلب حماية الأرشيفات والمخطوطات والصور والوثائق، وإعداد قواعد بيانات للمواقع التاريخية، وتوثيق الحرف والمعارف الشعبية قبل أن تختفي.

وتكتسب مشاركة المجتمعات المحلية أهمية خاصة في هذه العملية، لأن السكان هم الأكثر معرفة بتاريخ أحيائهم وقراهم وتفاصيل الحياة التي شهدتها، ويمكن لشهاداتهم أن تكمل ما تفتقر إليه السجلات الرسمية. كما أن الجامعات والباحثين والمؤسسات الثقافية أمام مسؤولية كبيرة في جمع الروايات الشفهية وحفظها، وإتاحة الأرشيفات أمام الأجيال المقبلة.

ولا يمكن فصل حماية التراث عن تحسين الظروف المعيشية للحرفيين، فالحفاظ على الحرفة لا يتحقق بتصويرها أو إقامة معرض مؤقت لها، بل بضمان استمرار ممارستها وتأمين دخل لأصحابها، وخلق فرص حقيقية لتعليمها ونقلها إلى الشباب.

ما لا يمكن تعويضه

إن الخطر الحقيقي الذي يواجه التراث السوري اليوم لا يتمثل فقط في انهيار مبنى أثري أو اختفاء حرفة قديمة، بل في احتمال انقطاع الصلة بين الأجيال وماضيها، وتحول التاريخ المحلي إلى معلومات متناثرة لا تجد من يجمعها أو ينقلها.

فإعادة الإعمار قد تعيد بناء الأسواق والبيوت والجسور، لكنها لا تستطيع إعادة الحرفي الذي رحل، ولا المخطوطة التي احترقت، ولا الأغنية التي لم يسجلها أحد، ولا الحكاية التي مات راويها.

وبينما تحتاج سوريا إلى إعادة بناء مدنها واقتصادها وخدماتها، فإن حماية تراثها يجب ألا تبقى ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد انتهاء الإعمار، لأن بعض الخسائر تحدث بصمت، وكل يوم يمر من دون توثيق أو حماية قد يحمل معه جزءاً جديداً من الذاكرة.

فالتراث ليس ماضياً منفصلاً عن الحاضر، بل هو جزء من هوية المجتمع وحق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها. وإذا كانت الحرب قد أخذت من السوريين كثيراً من معالم مدنهم، فإن ترك ما تبقى منها للإهمال قد يجعل الخسارة نهائية، وعندها لن تكون المشكلة في إعادة بناء ما تهدم، بل في استعادة ما لم يعد موجوداً.

- Advertisement -

- Advertisement -