لكل السوريين

السيارات الكهربائية في سوريا.. بديل اقتصادي يفتح أبواباً جديدة ويصطدم بتحديات الطاقة والصيانة

لم تعد السيارات الكهربائية مشهداً نادراً في شوارع المدن السورية، بعدما بدأت تنتشر تدريجياً، ولا سيما في دمشق، وسط ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع جودة بعض أنواع الوقود، الأمر الذي دفع عدداً من المواطنين، خصوصاً سائقي سيارات الأجرة، إلى البحث عن وسائل نقل أقل تكلفة وأكثر ملاءمة لظروفهم المعيشية. وبين الآمال بتخفيف الأعباء الاقتصادية وتقليل التلوث، تبرز تساؤلات حول قدرة البنية التحتية السورية على استيعاب هذا التحول، ومدى جاهزية قطاع الطاقة والصيانة لمواكبته.

وخلال الأشهر الأخيرة، شهد سوق السيارات الكهربائية في سوريا اهتماماً متزايداً، مع دخول طرازات حديثة، معظمها صيني المنشأ، إلى الأسواق المحلية. ولم يعد الإقبال مقتصراً على أصحاب الدخل المرتفع، بل امتد إلى بعض العاملين في قطاع النقل والتوصيل، الذين ينظرون إلى هذه السيارات باعتبارها وسيلة لتقليل المصروف اليومي وتحسين دخلهم.

وتكشف تجارب بعض السائقين في دمشق عن فارق ملحوظ في تكاليف التشغيل؛ إذ تشير تجربة سائق سيارة أجرة نقلتها وكالة فرانس برس في 30 تشرين الأول إلى أن قطع مسافة 200 كيلومتر كان يكلفه نحو 26 دولاراً بالبنزين، مقابل قرابة ستة دولارات عند شحن سيارته الكهربائية. وهو فارق يعكس جانباً من جاذبية هذا الخيار، خصوصاً بالنسبة لمن يعتمدون على سياراتهم مصدراً أساسياً للرزق.

هواء أنظف ومخاطر أقل داخل المدن

لا تقتصر أهمية السيارات الكهربائية على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى الصحة العامة والبيئة، إذ لا تنتج هذه المركبات عوادم مباشرة أثناء القيادة، ما يساعد على الحد من انبعاثات الغازات والملوثات المرتبطة باحتراق الوقود، ولا سيما في المدن المكتظة التي تعاني من ازدحام مروري وكثافة المركبات.

ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في المدن السورية التي تواجه تحديات بيئية متراكمة، نتيجة تراجع الخدمات وتضرر البنية التحتية وارتفاع مستويات التلوث في بعض المناطق. فالتوسع المدروس في استخدام المركبات الكهربائية يمكن أن يسهم في تحسين جودة الهواء وتقليل تعرض السكان للملوثات المرتبطة بعوادم السيارات، بما ينعكس إيجاباً على الصحة التنفسية.

لكن الأثر البيئي لهذه المركبات لا يعني أنها خالية تماماً من التلوث، فتصنيع البطاريات واستخراج المواد المستخدمة فيها، إلى جانب إنتاج الكهرباء اللازمة لشحنها، تترك آثاراً بيئية ينبغي أخذها في الحسبان، فضلاً عن ضرورة وضع آليات آمنة للتعامل مع البطاريات التالفة أو المستهلكة وإعادة تدويرها.

الكهرباء والصيانة.. العقبة الأكبر

ورغم المزايا التي توفرها السيارات الكهربائية، فإن انتشارها في سوريا يصطدم بتحديات عملية، أبرزها عدم استقرار التغذية الكهربائية ومحدودية محطات الشحن المتخصصة، الأمر الذي يدفع بعض أصحابها إلى تركيب نقاط شحن منزلية أو الاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية لتأمين احتياجاتهم.

كما يشكل نقص مراكز الصيانة المتخصصة وقطع الغيار تحدياً إضافياً، خصوصاً أن إصلاح أنظمة البطاريات والمحركات الكهربائية يتطلب فنيين مؤهلين وتجهيزات مختلفة عن تلك المستخدمة في السيارات التقليدية. ويثير ذلك مخاوف لدى المشترين بشأن تكاليف الإصلاح والعمر الافتراضي للبطاريات وقيمة السيارة عند إعادة بيعها.

وتبقى القدرة الشرائية عائقاً أمام شريحة واسعة من السوريين، إذ لا يزال شراء سيارة، حتى وإن كانت أقل تكلفة في التشغيل، يتطلب مبلغاً يفوق إمكانات كثير من الأسر التي تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة.

تحول يحتاج إلى تخطيط

إن انتشار السيارات الكهربائية في سوريا لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد اتجاه جديد في سوق السيارات، بل فرصة لتطوير قطاع النقل وتحسين البيئة وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد. غير أن نجاح هذه التجربة يتطلب وضع معايير واضحة للاستيراد والسلامة، وتوسيع شبكة الشحن، وتأهيل الكوادر الفنية، وتوفير حلول مناسبة للتعامل مع البطاريات المستهلكة.

وبين سيارة توفر على صاحبها جزءاً من دخله، ومدينة تبحث عن هواء أقل تلوثاً، تبدو السيارات الكهربائية خياراً يحمل إمكانات واعدة، لكن تحويله إلى تحول حقيقي ومستدام لن يتحقق بمجرد دخول المركبات إلى الأسواق، بل يحتاج إلى بنية تحتية قادرة على مواكبتها وسياسات تضمن استفادة المجتمع منها.

- Advertisement -

- Advertisement -