لكل السوريين

السلاح خارج مؤسسات الدولة.. هل تنجح سوريا في إنهاء إرث الحرب واستعادة احتكار القوة؟

بعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد، ما تزال قضية السلاح المنتشر خارج مؤسسات الدولة تُعد واحدة من أعقد الملفات التي تواجه السلطات السورية، إذ لم يعد السلاح مجرد أداة استخدمت خلال سنوات الحرب، بل تحول إلى إرث ثقيل يفرض تحديات أمنية واجتماعية وسياسية، ويضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لاستعادة احتكار استخدام القوة وفرض سيادة القانون.

وبينما تؤكد السلطات أنها تمضي في إجراءات تهدف إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، يرى خبراء أن نجاح هذه المهمة لا يتوقف على الحملات الأمنية وحدها، بل يرتبط بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإيجاد بيئة مستقرة تدفع المواطنين إلى التخلي طوعاً عن الأسلحة التي احتفظوا بها لسنوات.

سنوات الحرب خلّفت ملايين القطع

أدى الصراع السوري الممتد منذ عام 2011 إلى انتشار غير مسبوق للأسلحة الفردية والمتوسطة بين المدنيين والفصائل المسلحة، مع انهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، وسيطرة أطراف متعددة على مستودعات الجيش، فضلاً عن تدفق السلاح عبر الحدود خلال سنوات الحرب.

وأشار مركز مسح الأسلحة الصغيرة (Small Arms Survey) في جنيف، في تقرير سابق، إلى أن عشرات آلاف قطع السلاح سُرقت من المستودعات العسكرية عقب سقوط النظام، محذراً من أن استمرار تداولها خارج سلطة الدولة يمثل تهديداً طويل الأمد للاستقرار داخل سوريا والمنطقة.

ورغم عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة، فإن تقديرات أمنية تشير إلى أن أعداداً كبيرة من الأسلحة الفردية ما تزال خارج سيطرة المؤسسات الرسمية، وتتوزع بين سكان احتفظوا بها للدفاع عن أنفسهم، ومقاتلين سابقين، إضافة إلى عناصر مرتبطة بالنظام السابق.

لماذا ما زال السوريون يحتفظون بالسلاح؟

خلال سنوات الحرب، أصبح السلاح بالنسبة لكثير من السوريين وسيلة للبقاء أكثر منه وسيلة للقتال.

ويقول الباحثون إن انهيار المؤسسات الأمنية، واتساع رقعة النزاع، وانتشار عمليات الخطف والسرقة والاقتتال المحلي، دفعت آلاف العائلات إلى اقتناء السلاح لحماية النفس والممتلكات، وهو واقع لم يتغير بالكامل بعد انتهاء المعارك في كثير من المناطق.

وفي محافظات الجنوب، مثل درعا والقنيطرة، ما تزال المخاوف الأمنية، سواء المرتبطة بالاعتداءات الإسرائيلية أو الخلافات المحلية، تدفع بعض السكان إلى التردد في تسليم ما بحوزتهم من أسلحة، في ظل اعتقاد بأن الظروف الأمنية لم تستقر بصورة نهائية.

السلاح… تهديد للأمن اليومي

لا يقتصر تأثير انتشار السلاح على الهجمات التي تستهدف القوات الأمنية، بل يمتد إلى الحياة اليومية للمواطنين.

فكثير من الجرائم الجنائية، والخلافات العائلية والعشائرية، تتحول بسرعة إلى مواجهات مسلحة بسبب سهولة الحصول على السلاح، كما أن إطلاق النار العشوائي في المناسبات ما يزال يحصد ضحايا بين المدنيين.

وترى مصادر أمنية أن غياب قاعدة بيانات دقيقة للأسلحة الفردية يزيد من صعوبة تعقب مرتكبي الجرائم، كما يمنح المجموعات الخارجة عن القانون فرصة لإخفاء هوياتها والتنقل بأسلحة غير مسجلة.

تحديات أمام الحكومة

تواجه الحكومة السورية الجديدة معادلة معقدة؛ فهي مطالبة باستعادة احتكار السلاح، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن اللجوء إلى القوة وحدها قد يؤدي إلى نتائج عكسية في بعض المناطق.

ويرى مختصون أن نجاح أي خطة لجمع السلاح يتطلب توافر عدة شروط، أبرزها:

إصدار قانون حديث لتنظيم حيازة الأسلحة الفردية وترخيصها.

إنشاء سجل وطني إلكتروني للأسلحة وأصحابها.

منح مهلة قانونية لتسليم الأسلحة غير المرخصة.

تشديد العقوبات على الاتجار غير المشروع بالسلاح.

تعزيز وجود الأجهزة الأمنية والقضائية في جميع المحافظات.

كما يؤكد خبراء أن بناء الثقة بين المواطن والدولة يمثل العامل الأهم، إذ إن كثيراً من السوريين لن يتخلوا عن أسلحتهم ما لم يقتنعوا بأن المؤسسات الأمنية قادرة على توفير الحماية الكاملة لهم.

هل تراجع انتشار السلاح؟

في المقابل، تشير تقديرات أمنية إلى أن حجم السلاح المنفلت انخفض مقارنة بما كان عليه خلال سنوات الحرب، نتيجة حل عدد من الفصائل، واندماج أخرى ضمن مؤسسات الدولة، إضافة إلى حملات التفتيش التي تستهدف ضبط الأسلحة غير القانونية.

لكن هذا الانخفاض لا يعني انتهاء المشكلة، إذ لا تزال بعض الأسلحة بحوزة مجموعات مرتبطة بفلول النظام السابق أو شبكات التهريب، فضلاً عن انتشار السلاح الفردي بين المدنيين.

الاقتصاد يغذي الظاهرة

لا تنفصل أزمة السلاح عن الواقع الاقتصادي الصعب.

فالبطالة، وضعف فرص العمل، وانتشار شبكات التهريب، كلها عوامل تجعل تجارة السلاح مصدراً للدخل بالنسبة لبعض الأفراد، كما تسهم في استمرار انتقال الأسلحة بين المحافظات بطرق غير قانونية.

ويرى اقتصاديون أن تحسين الظروف المعيشية وتوفير فرص العمل للشباب سيحدان تدريجياً من الاعتماد على الاقتصاد غير المشروع المرتبط بالسلاح.

تجارب دولية يمكن الاستفادة منها

شهدت دول خرجت من نزاعات داخلية، مثل البوسنة والهرسك وكولومبيا وليبيريا، برامج لجمع السلاح اعتمدت على الحوافز المالية، والعفو المؤقت، ودمج المقاتلين السابقين في الحياة المدنية، إلى جانب حملات توعية مجتمعية واسعة.

ويعتقد مختصون أن الاستفادة من هذه التجارب قد تساعد سوريا على معالجة الملف بصورة أكثر استدامة، بعيداً عن الحلول الأمنية البحتة.

بين الأمن والثقة

يرى مراقبون أن ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة سيظل أحد أهم التحديات أمام سوريا خلال المرحلة المقبلة، ليس فقط لأنه يرتبط بالأمن، بل لأنه يمس مستقبل بناء الدولة نفسها.

فنجاح الحكومة في استعادة احتكار استخدام القوة سيعزز سيادة القانون، ويشجع الاستثمار وعودة النشاط الاقتصادي، بينما سيؤدي استمرار انتشار السلاح إلى إطالة أمد الهشاشة الأمنية وإبقاء البلاد عرضة للتوترات.

وفي المحصلة، تبدو معالجة هذا الإرث الثقيل بحاجة إلى مقاربة متوازنة تجمع بين الحزم القانوني، وإصلاح المؤسسات الأمنية، وتعزيز الثقة المجتمعية، بحيث يصبح تسليم السلاح خياراً نابعاً من الشعور بالأمان، لا نتيجة للخوف أو الإكراه.

- Advertisement -

- Advertisement -