تفتح التوقعات بارتفاع إنتاج الزيتون وزيت الزيتون في سوريا خلال الموسم الحالي الباب أمام تساؤلات اقتصادية تتجاوز حجم المحصول، لتصل إلى أسعار البيع، وعائدات المزارعين، وقدرة الأسر على تأمين مؤونة الشتاء في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. فزيادة الإنتاج تمثل فرصة لتحسين المعروض في الأسواق، لكنها لا تعني بالضرورة انخفاض الأسعار بالقدر الذي ينتظره المستهلكون، ولا تضمن تحقيق أرباح أكبر للمزارعين الذين يواجهون تكاليف متزايدة للقطاف والنقل والعصر.
وقدّر مكتب الزيتون في وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي إنتاج الموسم الحالي بنحو 954.7 ألف طن من ثمار الزيتون، مقابل نحو 412 ألف طن في الموسم الماضي، مع توقع إنتاج قرابة 190.9 ألف طن من زيت الزيتون، مقارنة بنحو 66 ألف طن خلال الموسم السابق، وفق التقديرات الأولية المنشورة في أيلول الماضي. وتعكس هذه الأرقام تحسناً كبيراً في الإنتاج المتوقع، وإن كان الحجم النهائي سيظل مرتبطاً بنتائج القطاف والعصر الفعلية.
المعاومة تفسر جانباً من الزيادة
لا تعود الزيادة المتوقعة في الإنتاج بالضرورة إلى توسع المساحات المزروعة، بل ترتبط جزئياً بظاهرة «المعاومة»، وهي ظاهرة طبيعية تتناوب فيها أشجار الزيتون بين مواسم مرتفعة الإنتاج وأخرى أقل إنتاجاً، نتيجة عوامل فسيولوجية ومناخية تؤثر في الإزهار والعقد وتكوين الثمار.
ويأتي الموسم الحالي بعد موسم ضعيف نسبياً، شهد تراجعاً في إنتاج الزيتون وزيته، الأمر الذي يجعل المقارنة بين الموسمين أكثر أهمية لفهم حجم التحسن المتوقع. كما ساهمت الأمطار الجيدة في عدد من المناطق الزراعية في تحسين رطوبة التربة وتوفير المياه اللازمة لنمو الأشجار والثمار، وهو ما انعكس إيجاباً على التقديرات الإنتاجية.
وتبلغ المساحة المزروعة بالزيتون في سوريا نحو 677.7 ألف هكتار، تضم قرابة 101.5 مليون شجرة، منها نحو 90.7 مليون شجرة مثمرة، وفق بيانات وزارة الزراعة. وتنتشر زراعة الزيتون في معظم المحافظات، مع تركز المساحات الأكبر في حلب وإدلب وحمص وطرطوس وحماة واللاذقية.
وتتجاوز أهمية هذه الأرقام الجانب الزراعي، إذ يرتبط المحصول بمصدر دخل رئيسي لعدد كبير من الأسر، فضلاً عن توفير فرص عمل موسمية في القطاف والعصر والنقل والتعبئة والتسويق، ما يجعل تحسن الإنتاج عاملاً مؤثراً في النشاط الاقتصادي للمناطق الزراعية.
وفرة الإنتاج لا تعني انخفاض الأسعار تلقائياً
رغم التوقعات بموسم أفضل، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى المستهلك السوري مرتبطاً بمدى انعكاس زيادة المعروض على الأسعار في الأسواق المحلية.
فزيادة الكميات المتاحة يمكن أن تدفع الأسعار إلى التراجع عندما يتجاوز العرض حجم الطلب، لكن النتيجة النهائية تتأثر أيضاً بتكاليف الإنتاج والتخزين والنقل، وهوامش الربح لدى الوسطاء، وحركة التصدير، والقدرة الشرائية للمستهلكين.
وتظهر هذه المعادلة بوضوح في سوق زيت الزيتون، الذي يعد من المنتجات الغذائية الأساسية لدى شريحة واسعة من السوريين، لكنه تحول خلال السنوات الماضية إلى عبء على ميزانيات كثير من الأسر، مع اضطرار بعضها إلى تقليص الكميات التي تشتريها أو الاستغناء عن تخزين الزيتون والزيت بالكميات المعتادة.
وبالتالي، فإن انخفاض الأسعار مقارنة بالموسم السابق، إن تحقق واستمر، لا يعني بالضرورة أن المنتج أصبح في متناول جميع الأسر. فالمعيار الاقتصادي الأهم لا يقتصر على سعر الكيلوغرام، بل يشمل تناسبه مع الدخل المتاح، خصوصاً لدى أصحاب الأجور المحدودة.
كما أن تفاوت جودة الزيت، واختلاف الأصناف ونسب استخراج الزيت منها، وتباين تكاليف الإنتاج بين المناطق، عوامل تجعل الأسعار متفاوتة ولا تسمح بافتراض انخفاض موحد في جميع الأسواق.
المزارع بين المحصول الوفير وارتفاع التكاليف
في المقابل، لا تمثل وفرة الإنتاج مكسباً مضموناً للمزارعين، إذ تتوقف الجدوى الاقتصادية للموسم على العلاقة بين سعر البيع والتكاليف التي يتحملها المنتج منذ بداية الموسم وحتى وصول المحصول إلى السوق.
وتشمل هذه التكاليف أجور العمال خلال القطاف، ونقل الثمار إلى المعاصر، وأجور العصر، إضافة إلى الحراثة والتقليم والتسميد ومكافحة الآفات، فضلاً عن تكاليف المحروقات والخدمات الزراعية.
وفي المواسم التي يرتفع فيها الإنتاج، تزداد الحاجة إلى اليد العاملة ووسائل النقل وقدرات المعاصر، ما قد يؤدي إلى زيادة الضغط على الخدمات المرتبطة بالمحصول خلال فترة قصيرة. وإذا تزامنت هذه التكاليف مع تراجع أسعار البيع، فقد يجد المزارع نفسه أمام محصول وفير، لكن بعائد صافٍ أقل مما كان يتوقعه.
وتبرز هنا أهمية تحسين الخدمات الزراعية وتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، إلى جانب تنظيم عمل المعاصر وتسهيل نقل المحصول، بما يقلل الهدر ويحسن قدرة المزارعين على الاستفادة من الموسم.
كما أن حماية المنتج لا تعني إبقاء الأسعار مرتفعة على حساب المستهلك، وإنما إيجاد توازن يسمح للمزارع بتغطية تكاليفه وتحقيق عائد مقبول، ويمنح المستهلك فرصة الحصول على الزيت والزيتون بأسعار تتناسب مع دخله.
التصدير.. فرصة لتصريف الفائض أم ضغط على السوق؟
يمثل التصدير أحد الخيارات المتاحة لتصريف فائض الإنتاج، خصوصاً إذا تجاوزت الكميات المعروضة في السوق المحلية حجم الطلب. ويمكن لتوسيع الأسواق الخارجية أن يتيح للمزارعين والتجار منافذ إضافية للبيع، ويسهم في دعم النشاط الزراعي وتوفير إيرادات من الصادرات.
لكن إدارة هذا الملف تحتاج إلى موازنة دقيقة بين مصالح المنتجين والمستهلكين. فالتوسع في التصدير من دون تقدير الكميات المتاحة وحاجة السوق المحلية قد يحد من المعروض الداخلي، ويضغط على الأسعار إذا ارتفع الطلب الخارجي على حساب الكميات المخصصة للاستهلاك المحلي.
وفي المقابل، فإن تقييد التصدير بصورة واسعة قد يحرم المنتجين من أسواق إضافية، ويزيد صعوبة تصريف المحصول في المناطق التي تحقق إنتاجاً مرتفعاً.
لذلك، تبدو الحاجة قائمة إلى سياسة مرنة تستند إلى تقديرات الإنتاج الفعلي، وحجم الاستهلاك المحلي، ومخزون الموسم السابق، والأسعار في الأسواق الخارجية. ومن شأن نشر بيانات واضحة عن هذه المؤشرات أن يساعد المزارعين والتجار والمستهلكين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من الشائعات والمضاربات.
ولا يقل أهمية عن ذلك ضبط جودة الزيت المخصص للتداول والتصدير، ومكافحة الغش والتلاعب بالمواصفات، بما يحافظ على سمعة المنتج السوري ويعزز قدرته التنافسية.
من وفرة المحصول إلى الاستفادة الاقتصادية
تكشف التوقعات الإيجابية لموسم الزيتون الحالي عن فرصة لتحسين واقع أحد القطاعات الزراعية المهمة في سوريا، لكنها تضع الجهات المعنية أيضاً أمام مسؤولية تحويل الزيادة الإنتاجية إلى منفعة اقتصادية ملموسة.
ويتطلب ذلك متابعة الأسعار من المنتج إلى المستهلك، ومراقبة تكاليف الخدمات الزراعية، وتحسين كفاءة النقل والعصر والتخزين، وتنظيم التصدير بما يحافظ على توازن السوق المحلية.
كما أن دعم المزارعين لا ينبغي أن يقتصر على موسم القطاف، بل يحتاج إلى سياسات طويلة الأجل تشمل تجديد الأشجار المتضررة، وتحسين إدارة البساتين، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتطوير الصناعات المرتبطة بالزيتون، بما فيها التعبئة والتغليف والتصنيع الغذائي.
وفي المحصلة، لا تقاس القيمة الاقتصادية لموسم الزيتون بحجم الإنتاج وحده، بل بمدى انعكاسه على دخل المزارع، واستقرار الأسعار، وتوافر المنتج للمستهلك، وقدرة القطاع على الوصول إلى أسواق جديدة.
وبين محصول يتجه إلى تسجيل تحسن كبير مقارنة بالموسم الماضي، وأسر تنتظر انخفاض كلفة المؤونة، ومزارعين يسعون إلى تغطية نفقاتهم، يبقى التحدي الأساسي هو إدارة الوفرة بطريقة تحقق التوازن بين المنتج والمستهلك، بدلاً من أن تتحول زيادة الإنتاج إلى أرقام إيجابية لا يشعر معظم السوريين بأثرها في حياتهم اليومية.