لم تعد رحلة البحث عن لقمة العيش في سوريا مرتبطة دائماً برجل يخرج صباحاً إلى عمله ويعود مساءً بما يكفي احتياجات أسرته. ففي ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة وتبدل أحوال آلاف العائلات خلال سنوات الحرب، وجدت نساء كثيرات أنفسهن أمام مسؤولية تتجاوز إدارة شؤون المنزل إلى تأمين الطعام والإيجار والدواء ومستلزمات الأطفال، حتى عندما لا تتوافر لهن فرصة عمل مستقرة أو دخل يمكن الاعتماد عليه.
في تفاصيل الحياة اليومية، تبدو هذه المسؤولية أكبر من مجرد انتقال المرأة إلى سوق العمل. فهناك من تعمل في الزراعة، وأخرى في ورشة خياطة أو متجر صغير، وثالثة تحاول تأمين دخل من إعداد الطعام أو بيع منتجات منزلية، فيما تبحث أخريات عن وظيفة لا تجدها بسهولة. وبين العمل المأجور والواجبات المنزلية ورعاية الأطفال، تتشكل معادلة شاقة لا تظهر كاملة في أرقام البطالة وحدها.
عمل لا يضمن الخروج من الحاجة
تواجه النساء الراغبات في العمل مجموعة من العقبات المتداخلة؛ ففرص التوظيف محدودة، والأجور في كثير من الأعمال غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية، بينما تضطر العاملات في الاقتصاد غير المنظم إلى تحمل مخاطر غياب الضمانات المهنية والاجتماعية.
وتشير بيانات البنك الدولي المستندة إلى تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن معدل مشاركة النساء في القوى العاملة السورية بلغ نحو 12.7% في عام 2025، مقابل 61.4% للرجال. ولا يعني هذا الرقم أن بقية النساء لا يعملن داخل المنازل أو خارجها في أنشطة غير مدفوعة أو غير مسجلة، لكنه يكشف اتساع الفجوة في الوصول إلى سوق العمل والفرص الاقتصادية.
وفي بعض الأحياء السورية، تمثل الأعمال المنزلية والزراعة والخياطة والخدمات البسيطة منافذ محدودة لتأمين الدخل. غير أن العمل في هذه المجالات لا يضمن بالضرورة الاستقرار؛ إذ يرتبط الدخل أحياناً بتوافر الزبائن والمواسم والقدرة على شراء المواد الأولية، فضلاً عن المنافسة وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وتزداد الصعوبة لدى النساء اللواتي يعِلن أطفالاً أو أفراداً آخرين من الأسرة، إذ لا يتعلق الأمر بالحصول على فرصة عمل فحسب، بل بإيجاد عمل يسمح لهن بالتوفيق بين ساعات الدوام ومسؤوليات الرعاية، من دون أن تلتهم تكاليف النقل أو الحضانة جزءاً كبيراً من الأجر.
المعيلة الوحيدة.. مسؤولية أكبر من الراتب
تبدو الأعباء أكثر تعقيداً لدى الأرامل والمطلقات والنساء اللواتي فقدن المعيل أو اضطررن إلى إدارة الأسرة بمفردهن. فهذه الفئات لا تواجه ضغط تأمين الاحتياجات اليومية فقط، وإنما قد تصطدم أيضاً بصعوبات السكن وإثبات الملكية والحصول على فرص عمل مناسبة، إلى جانب الأعباء الاجتماعية التي تحيط ببعض أوضاعهن.
وتشير تقارير أممية إلى أن الأسر التي تعيلها نساء تواجه مخاطر اقتصادية وغذائية مرتفعة، وأن النساء والفتيات من الفئات الأكثر تأثراً بتراجع التمويل الإنساني وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية. كما حذرت تقارير إنسانية من أن الضغوط الاقتصادية قد تدفع بعض الأسر إلى خيارات قاسية، بينها تقليص الإنفاق على الغذاء أو التعليم أو الرعاية الصحية.
ولا تنتهي المشكلة عند حدود الدخل. فالمرأة التي تعود من عملها لتبدأ عملاً آخر داخل المنزل لا تحصل بالضرورة على وقت للراحة أو فرصة لتطوير مهاراتها، فيما قد تضطر أخرى إلى رفض فرصة متاحة لأنها لا تجد من يرعى أطفالها أثناء غيابها. وهكذا، تصبح مسؤوليات الرعاية غير المدفوعة عائقاً إضافياً أمام الاستقلال الاقتصادي، حتى عندما تكون الرغبة في العمل متوافرة.
الدعم المطلوب.. ما بعد المساعدات المؤقتة
لا يمكن اختزال احتياجات النساء السوريات في توزيع مساعدات غذائية أو تنظيم دورات تدريبية قصيرة، على أهميتها في بعض الظروف. فالتدريب الذي لا ينتهي بفرصة عمل، أو المشروع الصغير الذي لا يجد تمويلاً وتسويقاً، قد لا يغير واقع الأسرة بصورة مستدامة.
وتحتاج المعالجة إلى مسارات متكاملة تشمل توسيع فرص العمل اللائق، وتوفير تمويل مناسب للمشروعات الصغيرة، وفتح قنوات لتسويق المنتجات، وتحسين الوصول إلى التدريب المهني، إلى جانب توفير خدمات رعاية الأطفال وتعزيز الحماية من الاستغلال في أماكن العمل.
كما أن النساء اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن يحتجن إلى إجراءات تراعي ظروفهن الفعلية، لا إلى برامج موحدة تفترض أن جميع المستفيدات يمتلكن الوقت والموارد والقدرة على التنقل نفسها. فالمرأة التي تعيش في منطقة ريفية بعيدة عن مراكز العمل والخدمات ليست في الظروف ذاتها التي تعيشها امرأة في مدينة تتوافر فيها فرص أكثر.
في سوريا، لا تكمن المسألة في قدرة المرأة على العمل وحدها، بل في قدرة هذا العمل على تأمين حياة أكثر استقراراً لها ولأسرتها. وبين الحاجة إلى الدخل وعبء الرعاية وضعف الفرص، لا يزال كثير من النساء يواجهن مسؤوليات متزايدة بأدوات محدودة.
ويبقى الاختبار الحقيقي لأي سياسة للتعافي الاقتصادي هو أن تتحول مشاركة المرأة من ضرورة تفرضها الأزمات إلى فرصة تتيح لها دخلاً عادلاً وعملاً آمناً وحياة لا تضطر فيها إلى الاختيار بين إعالة أسرتها ورعاية أطفالها.