لكل السوريين

سوريا تستورد المازوت رغم امتلاكها النفط.. لماذا لا تكفي الثروة المحلية لتشغيل البلاد؟

شحنة أرامكو تكشف فجوة الإمدادات وقدرات التكرير.. نحو 60% من احتياجات السوق كانت تُغطّى بالاستيراد وفق بيانات رسمية في أيلول

لم تعد المفارقة السورية مقتصرة على امتلاك النفط مع استمرار أزمة المحروقات، بل باتت تتمثل في اضطرار البلاد إلى استيراد المازوت لتغطية احتياجاتها اليومية، في وقت لا يزال فيه إنتاجها النفطي دون مستوى الطلب، وتعاني فيه منشآتها من تحديات التكرير والتشغيل. وبينما وصلت أول شحنة ديزل من شركة أرامكو السعودية إلى ميناء بانياس، يبرز سؤال أكثر أهمية من قيمة الاتفاق وأسماء المؤسسات التي شاركت فيه: لماذا لا تستطيع سوريا تحويل مواردها النفطية إلى إمدادات تكفي السوق المحلية؟

في 19 تشرين الأول الجاري، بدأت الشركة السورية للبترول تفريغ ناقلة تحمل نحو 63,784 طناً مترياً من الديزل في ميناء بانياس، وهي أول شحنة ضمن اتفاق مع أرامكو السعودية. وفي اليوم التالي، كشفت الشركة أن بنك «جيه. بي. مورجان» الأمريكي ساهم في تأكيد أول خطاب اعتماد سوري منذ 14 عاماً، ما أتاح تنفيذ الاتفاق عبر قناة مصرفية دولية رسمية.

لكن أهمية هذه الخطوة لا تعني أن أزمة الوقود انتهت، ولا أن الشحنة وحدها قادرة على تغيير واقع السوق؛ فهي تسد جزءاً من الاحتياجات، بينما تبقى المشكلة الأساسية مرتبطة باتساع الفجوة بين الإنتاج المحلي والطلب الفعلي.

المازوت المستورد.. حاجة تتجاوز الشحنة الواحدة

وفق بيانات نشرتها وزارة الطاقة السورية في أيلول الماضي، بلغ الطلب اليومي على المازوت نحو 7.72 ملايين لتر، مقابل إنتاج محلي قدره 3.09 ملايين لتر، واستيراد نحو 4.63 ملايين لتر يومياً. وتعني هذه الأرقام أن الواردات كانت تؤمّن قرابة 60% من إمدادات السوق، في مؤشر واضح إلى اعتماد البلاد على الخارج لتوفير أحد أهم أنواع الوقود المستخدمة في النقل والزراعة والقطاعات الإنتاجية والتدفئة.

وفي 20 أيلول، أعلن وزير الطاقة محمد البشير أمام مجلس الشعب أن الاستهلاك اليومي من المازوت يبلغ نحو 12 مليون لتر، وهو تقدير أعلى من الرقم المنشور سابقاً. ويستدعي هذا التفاوت توضيحاً رسمياً يبيّن أسباب اختلاف الأرقام، وما إذا كان ناجماً عن تغير الطلب أو اختلاف منهجية احتساب الاستهلاك والإمدادات.

وبحسب تقديرات الوزارة المنشورة في أيلول، فإن شحنة الديزل السعودية، البالغة نحو 64 ألف طن، تعادل نظرياً عدة أيام من الاستهلاك الوطني، لكنها لا تمثل سوى جزء من الاحتياجات المستمرة. فالسوق تحتاج إلى تدفق منتظم للشحنات، لا إلى عمليات توريد منفردة لا تعالج الفجوة على المدى الطويل.

لماذا لا يكفي النفط السوري؟

لا يعني وجود النفط الخام أن البلاد قادرة تلقائياً على إنتاج الكميات المطلوبة من البنزين والمازوت. فالخام يحتاج إلى التكرير، كما تختلف خصائصه من حقل إلى آخر، ولا تتوافق جميع أنواعه بالضرورة مع قدرات المصافي ومواصفاتها التشغيلية.

ووفق وزارة الطاقة، تحتاج سوريا إلى نحو 300 ألف برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات النفطية، بينما بلغ إنتاجها المحلي من الخام نحو 100 ألف برميل يومياً في تقديرات أيلول، قبل أن يعلن الوزير في 20 أيلول ارتفاع الإنتاج إلى نحو 112 ألف برميل يومياً. وتوضح هذه الأرقام حجم الفجوة التي تضطر الحكومة إلى تغطيتها بالاستيراد.

وتتصل المشكلة أيضاً بقدرات التكرير المتاحة. فقد دخلت مصفاة بانياس في أيلول مرحلة صيانة شاملة كان متوقعاً أن تستمر نحو شهرين، ما زاد الحاجة إلى شراء المشتقات الجاهزة من الخارج. وإلى جانب الصيانة، تواجه المنشآت النفطية تحديات إعادة التأهيل واستعادة كفاءة الإنتاج والنقل، بعد سنوات من الحرب وتراجع الاستثمارات.

وبذلك، لا تكمن المشكلة في نقص النفط وحده، بل في سلسلة مترابطة تبدأ من استخراج الخام، وتمر بنقله وتكريره، وتنتهي بتوزيع المشتقات. وأي خلل في إحدى هذه المراحل قد يدفع البلاد إلى استيراد الوقود، حتى مع وجود موارد نفطية محلية.

فاتورة الاستيراد.. من يتحمل الكلفة؟

كشف وزير الطاقة أن سوريا تحتاج إلى نحو 831 مليون دولار شهرياً لشراء النفط الخام والمشتقات النفطية، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي يفرضه تأمين الطاقة على الموارد المالية للبلاد. ومع ارتفاع أسعار المشتقات عالمياً وتكاليف النقل والشحن والتأمين، تصبح المحافظة على تدفق الإمدادات تحدياً مالياً مستمراً.

وقد ظهرت انعكاسات هذه الأزمة بوضوح في أيلول، عندما رفعت الحكومة أسعار المشتقات النفطية، ومنها المازوت، مبررة القرار بارتفاع كلفة تأمين الوقود عالمياً والصعوبات المرتبطة بالإمدادات، بالتزامن مع صيانة مصفاة بانياس. وأثار القرار احتجاجات في عدد من المناطق، وسط مخاوف من انتقال ارتفاع أسعار الوقود إلى النقل والإنتاج وأسعار السلع الأساسية.

ولا يتوقف أثر الاستيراد عند قيمة الفواتير التي تدفعها الدولة، بل يمتد إلى قدرة المزارعين والناقلين وأصحاب المنشآت على تحمل تكاليف التشغيل. ولذلك، فإن أي تحسن في انتظام الإمدادات ينبغي أن يُقاس أيضاً بمدى انعكاسه على توافر الوقود واستقرار الأسعار، لا بمجرد وصول الشحنات إلى الموانئ.

خطاب الاعتماد خطوة مالية.. وليس حلاً لأزمة الطاقة

يمثل استخدام خطاب اعتماد عبر مؤسسة مالية أمريكية تطوراً مهماً في استعادة التعاملات المصرفية الدولية، بعد سنوات من العزلة والصعوبات التي واجهت التجارة الخارجية السورية. كما يمكن لهذه الآلية أن تسهّل تنظيم المدفوعات وتعزز الثقة بين الأطراف التجارية.

لكن نجاح العملية المصرفية لا يعني تلقائياً انخفاض الأسعار أو تحقيق الاكتفاء الذاتي. فذلك يتطلب استمرار التوريد، وتوفير التمويل، ورفع كفاءة المصافي، وزيادة الإنتاج المحلي القابل للاستخدام، إلى جانب تحسين إدارة المخزون والتوزيع.

وتأمل الشركة السورية للبترول أن تشمل الشحنات المقبلة البنزين، ثم النفط الخام الخفيف، ما يشير إلى أن الاتفاق قد يتجاوز توريد الديزل إذا استمر التعاون بين الجانبين.

في المحصلة، لا تكمن المفارقة في أن سوريا تستورد المازوت رغم امتلاكها النفط، بل في استمرار الفجوة بين مواردها وقدرتها على تلبية احتياجاتها. وشحنة أرامكو قد تساعد في تخفيف الضغط على السوق، لكنها لن تنهي الأزمة ما لم تترافق مع خطة واضحة لزيادة الإنتاج، وتطوير التكرير، وخفض الاعتماد على المشتقات المستوردة تدريجياً.

ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن السوري إجابة عنه: هل ستتحول الاتفاقات الجديدة إلى إمدادات أكثر استقراراً وأسعار يمكن تحمّلها، أم ستظل البلاد مضطرة إلى شراء الوقود من الخارج، فيما يدفع المستهلك كلفة الاختلالات في قطاع الطاقة؟

- Advertisement -

- Advertisement -