لكل السوريين

من ركام الحرب إلى أملٍ بالحياة.. طلاب من درعا يبتكرون حلولاً للمياه والبيئة

في بلدٍ ما زالت مدنه وبلداته تواجه آثار الدمار، فيما تتزايد تحديات شح المياه والتلوث وتراجع الخدمات الأساسية، يختار طلاب من محافظة درعا النظر إلى الأنقاض بطريقة مختلفة؛ ليس بوصفها شاهداً على ما تهدم فحسب، بل مادة يمكن إعادة استخدامها لبناء حلول تخدم البيئة وصحة الإنسان.

من ثانوية إنخل الرسمية، وصل فريق طلابي إلى المرحلة النهائية من جائزة زايد للاستدامة في دولة الإمارات العربية المتحدة، المقرر تنظيمها في أبوظبي في 12 كانون الثاني 2027، عبر مشروع «منظومة النبع والأرض»، الذي يسعى إلى تحويل مخلفات البناء والهدم إلى موارد قابلة للاستخدام، ضمن نموذج يربط إعادة التدوير بمعالجة المياه والحد من التلوث.

ويحمل المشروع دلالة تتجاوز المشاركة في مسابقة دولية؛ إذ يطرح أسئلة تمس الحياة اليومية للسوريين، من مصير ملايين الأطنان من ركام الأبنية المدمرة، إلى الحاجة لمصادر مياه نظيفة، ووسائل أكثر أماناً للتدفئة، وبيئة أقل تعرضاً للملوثات.

حين يصبح الركام قضية بيئية وصحية

لا تنتهي آثار الحرب عند انهيار المباني، فالتعامل غير المنظم مع الأنقاض قد يخلق مشكلات بيئية وصحية، خصوصاً عندما تختلط مخلفات البناء بمواد خطرة أو يجري نقلها وتكسيرها من دون إجراءات حماية مناسبة. كما يمكن أن يؤدي الغبار المتصاعد من الركام إلى زيادة التعرض للجسيمات الدقيقة، بما يهدد صحة السكان والعاملين في مواقع إزالة الأنقاض.

من هذه المشكلة انطلقت الفكرة الأولى للمشروع، بحسب المعلومات التي نشرها الإعلام المحلي، بهدف تطوير معالجة كيميائية تساعد على إعادة تدوير مخلفات الأبنية واستخدامها في البنية التحتية، بما في ذلك إنتاج خلطات إسفلتية مطورة.

ومع تقدم العمل، توسعت الفكرة لتصبح منظومة متعددة المسارات، تشمل إعادة توظيف الركام، وإنتاج المياه عبر التبخير الشمسي، ومعالجة السوائل العادمة، والاستفادة من الطحالب، إلى جانب تطوير حلول للتدفئة واحتجاز بعض الانبعاثات الكبريتية وتصنيع أغشية ترشيح نانوية.

وتكمن أهمية هذا التوجه في محاولة الربط بين مشكلات تبدو منفصلة، لكنها تتقاطع في حياة السوريين: تلوث البيئة، وشح المياه، وتراكم الأنقاض، وارتفاع كلفة الطاقة. غير أن نجاح هذه الحلول على نطاق واسع يظل مرتبطاً بإثبات كفاءتها مخبرياً، والتحقق من سلامة المواد الناتجة عنها، وقدرتها على العمل بكلفة مقبولة في الظروف المحلية.

المياه النظيفة.. الاختبار الأهم

في بلد تعاني مناطق عديدة فيه من تراجع إمدادات المياه وارتفاع تكاليف الحصول عليها، تكتسب التقنيات التي تستهدف توفير مياه نظيفة أهمية خاصة، ولا سيما عندما تعتمد على مصادر طاقة متجددة.

وتتضمن المنظومة، وفق المعلومات المتاحة عن المشروع، استخدام التبخير الشمسي في إنتاج المياه، إلى جانب العمل على تقليل السوائل العادمة والاستفادة من بعض مكونات المنظومة في تطبيقات بيئية أخرى.

لكن إنتاج المياه بالتبخير لا يعني تلقائياً الحصول على مياه صالحة للشرب في جميع الحالات؛ إذ يتطلب ذلك التحقق من جودة المياه الناتجة، ومعالجة أي ملوثات متطايرة أو متبقية بحسب طبيعة المصدر، وإجراء اختبارات مخبرية تضمن مطابقتها للمعايير الصحية. كما أن تقييم التقنية يحتاج إلى قياس كمية المياه المنتجة فعلياً، وكلفة إنتاج المتر المكعب، ومدى قدرتها على تلبية الاحتياجات خارج نطاق التجارب المحدودة.

وتبرز هنا أهمية تحويل الابتكار المدرسي إلى تجربة قابلة للقياس والتقييم، بحيث لا تبقى النتائج في حدود التصورات الهندسية، بل تصبح مؤشرات واضحة يمكن للجهات المختصة والباحثين الاعتماد عليها عند دراسة إمكان تطبيقها في المجتمعات المتضررة.

أرقام طموحة تنتظر الاختبار

بحسب المعلومات الواردة عن الفريق، تتضمن الخطط الهندسية للمنظومة أهدافاً لتدوير نحو 45 ألف طن من الركام سنوياً، وخفض تكلفة إنتاج الإسفلت بنسبة تصل إلى 45 بالمئة، وتأمين نحو 15 ألف متر مكعب من المياه النقية.

وإذا أمكن تحقيق هذه الأهداف والتحقق منها عملياً، فقد تفتح المنظومة مجالاً للاستفادة من مخلفات الهدم في مشروعات البنية التحتية، وتخفيف الضغط على مواقع التخلص من الأنقاض، إلى جانب تطوير حلول مساندة لمشكلة المياه.

لكن هذه الأرقام تمثل أهدافاً معلنة للمشروع، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها نتائج إنتاجية مثبتة ما لم تُدعَم ببيانات الاختبارات، وتفاصيل التشغيل، وتقييم مستقل للكلفة والأثر البيئي. فالتوسع في استخدام الركام، خصوصاً في الإسفلت ومواد البناء، يحتاج إلى فحوص تحدد خصائصه ومتانته ومدى خلوه من المواد الضارة.

ويؤكد هذا الجانب أن الابتكار البيئي لا يقاس بجرأة الفكرة وحدها، بل بقدرتها على اجتياز الاختبارات، وتحقيق نتائج قابلة للتكرار، والعمل بأمان ضمن ظروف التشغيل الحقيقية.

المدرسة بوصفها مساحة للحلول

يشرف الأستاذ أحمد العاصي على المشروع، الذي تطور من فكرة مرتبطة بإعادة تدوير الأنقاض إلى تصور أوسع للاقتصاد الدائري، يقوم على تقليل الهدر وإعادة استخدام الموارد بدلاً من التخلص منها.

وتشير المعلومات المنشورة عن المشاركة إلى أن المشروع خاض منافسة دولية واسعة، ضمت أكثر من عشرة آلاف طالب من 177 دولة، قبل وصوله إلى المرحلة النهائية ضمن فئة المدارس الثانوية. ومن المقرر أن تشهد أبوظبي في 12 كانون الثاني 2027 المحطة النهائية للجائزة، وفق الموعد المعلن.

وتكشف التجربة عن أهمية إتاحة المجال أمام الطلاب للمشاركة في البحث التطبيقي، وربط المناهج الدراسية بمشكلات مجتمعاتهم، بدلاً من حصر التعليم في تلقي المعلومات واستظهارها. فالطالب الذي يدرس التلوث أو معالجة المياه يمكن أن ينتقل من فهم المشكلة إلى اختبار حلول لها، شريطة توافر المختبرات والإشراف العلمي والموارد اللازمة.

وفي المقابل، تحتاج المدارس السورية إلى بيئة تعليمية تتيح استمرار مثل هذه المبادرات، من خلال دعم الأنشطة العلمية، وتأمين التجهيزات، وربط الطلاب بالجامعات ومراكز البحث والجهات القادرة على تطوير النماذج الأولية واختبارها.

من الإنجاز الطلابي إلى الفائدة العامة

يمثل وصول فريق من درعا إلى نهائيات جائزة دولية فرصة لتسليط الضوء على طاقات شابة تعمل في ظروف تعليمية واقتصادية صعبة، وتحاول تقديم إجابات عن مشكلات بيئية ومعيشية حقيقية.

غير أن القيمة الأوسع لهذه التجربة ستتحدد بقدرتها على الانتقال من المنافسة إلى التطبيق، عبر اختبارات مستقلة، وشراكات بحثية، وتقييم دقيق للسلامة والكلفة والأثر البيئي. كما أن الاستفادة منها تتطلب التعامل مع الطلاب بوصفهم شركاء في إنتاج المعرفة، وتوفير مسارات تسمح بتطوير أفكارهم بعد انتهاء المسابقة.

ففي سوريا، حيث تتقاطع آثار الدمار مع تحديات المياه والتلوث وإعادة الإعمار، لا يكفي أن تتحول الأنقاض إلى مادة قابلة للاستخدام نظرياً؛ المطلوب أن تصبح الحلول المقترحة آمنة ومجدية وقابلة للتطبيق. وعندها فقط يمكن لمشروع بدأ داخل مدرسة في درعا أن يتحول من إنجاز طلابي واعد إلى مساهمة عملية في تحسين البيئة وظروف الحياة.

- Advertisement -

- Advertisement -