لكل السوريين

من هرمز إلى باب المندب.. السعودية ومصر أمام اختبار أمن الممرات البحرية

زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة تأتي وسط تصعيد حوثي يقترب من باب المندب واضطراب متواصل في طرق الطاقة والتجارة

تأتي زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحرب والتجارة والطاقة وأمن الممرات البحرية. فالتصعيد المتسارع في اليمن، مع توسع نفوذ الحوثيين على الساحل الغربي واقترابهم من باب المندب، يتزامن مع اضطراب مضيق هرمز، ليضع السعودية ومصر أمام تحديات تتجاوز حدود البلدين وتطال واحدة من أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.

وتكتسب زيارة بن سلمان أهمية خاصة بالنسبة إلى الرياض، التي تواجه ضغوطاً متزايدة على طرق تصدير الطاقة. فقد سيطر الحوثيون خلال الأيام الماضية على مواقع استراتيجية في الساحل الغربي اليمني، وأعلنوا إحكام نفوذهم على منطقة باب المندب، فيما باتت الملاحة في هذا الممر الحيوي موضع قلق دولي متزايد.

باب المندب.. الجبهة الجنوبية للطاقة السعودية

بالنسبة إلى السعودية، لا يمثل باب المندب مجرد ممر بحري بعيد عن حدودها، بل يشكل أحد المنافذ المهمة لحركة التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر. وتزداد أهميته في الظروف الحالية مع تعرض طرق أخرى للخطر، إذ اضطرت المملكة إلى التعامل مع تهديدات متزامنة تطال بنيتها النفطية وخطوط نقل الطاقة.

وكان خط أنابيب الشرق–الغرب السعودي، الذي يوفر مساراً بديلاً لنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز، قد تعرض لهجوم أدى إلى تعطله مؤقتاً، ما يزيد الضغط على منظومة تصدير النفط السعودية في وقت تتصاعد فيه المخاطر حول الممرات البحرية.

وهكذا تجد الرياض نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: مضيق هرمز في الشرق يواجه اضطرابات كبيرة، فيما يزداد الخطر في باب المندب غرباً، ما يهدد بإضعاف أكثر من مسار يمكن أن تعتمد عليه المملكة لتأمين صادراتها وحركة تجارتها.

مصر.. الطرف الأكثر تأثراً

أما القاهرة، فتملك مصلحة مباشرة في احتواء التصعيد، نظراً إلى اعتماد قناة السويس على حركة السفن القادمة من المحيط الهندي وآسيا عبر البحر الأحمر.

وأي تدهور طويل الأمد في أمن باب المندب قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها وتجنب البحر الأحمر، الأمر الذي يعني زيادة المسافة والتكاليف وارتفاع أسعار التأمين، فضلاً عن انعكاسات مباشرة على إيرادات قناة السويس والاقتصاد المصري.

ولهذا فإن التنسيق المصري السعودي لا يتعلق فقط بالملف اليمني، وإنما بمستقبل منظومة الملاحة في البحر الأحمر بأكملها. وكانت القاهرة والرياض قد ناقشتا في مناسبات سابقة أمن البحر الأحمر والتطورات الإقليمية، ما يعكس الطبيعة الاستراتيجية لهذا الملف في العلاقات بين البلدين.

من هرمز إلى باب المندب.. أزمة واحدة بوجهين

الخطورة الأكبر لا تكمن في اضطراب باب المندب أو هرمز بشكل منفصل، وإنما في احتمال استمرار الاضطرابات في الممرين في وقت واحد.

فمضيق هرمز يعد من أهم طرق نقل النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، بينما يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومنه تمر حركة تجارية رئيسية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.

وفي حال استمرار التهديدات للممرين، فإن التأثير لن يبقى محصوراً بالدول المطلة عليهما، بل قد يمتد إلى أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين وسلاسل الإمداد العالمية. وقد بدأت أسواق الطاقة بالفعل في استيعاب مخاطر ارتفاع تكاليف النقل والإمداد مع تصاعد التوترات الإقليمية.

هل تبحث الرياض عن تحالف أوسع؟

لا يعني ذلك بالضرورة أن السعودية تتجه نحو طلب تدخل عسكري مصري مباشر في اليمن، لكن الظروف الحالية قد تدفع الرياض إلى تعزيز التنسيق السياسي والأمني مع القاهرة، خصوصاً أن مصر تمتلك موقعاً استراتيجياً وقدرات بحرية وخبرة طويلة في التعامل مع أمن البحر الأحمر وقناة السويس.

كما أن الرياض تواجه في الوقت نفسه تحدياً عسكرياً متصاعداً من الحوثيين، الذين استهدفوا منشآت ومواقع سعودية، فيما ناقش ولي العهد السعودي مؤخراً التطورات مع قائد القيادة المركزية الأميركية وسط تصاعد القتال في اليمن.

ومن هنا، قد تكون الأولوية السعودية في القاهرة هي بناء موقف عربي أكثر تنسيقاً بشأن أمن الملاحة، إلى جانب بحث كيفية حماية طرق الطاقة والتجارة، ومنع تحول البحر الأحمر إلى جبهة جديدة مفتوحة ضمن الصراع الإقليمي.

البحر الأحمر أمام مرحلة جديدة

ما يجري اليوم يضع البحر الأحمر أمام مرحلة مختلفة، لم يعد فيها أمن الملاحة مسألة بحرية منفصلة عن الصراعات السياسية والعسكرية في المنطقة.

فإذا استمر الحوثيون في توسيع نفوذهم على الساحل الغربي اليمني، واستمرت المخاطر المحيطة بهرمز، فإن دول المنطقة ستكون أمام واقع جديد تتداخل فيه أمن الطاقة مع أمن التجارة، وتصبح فيه الممرات البحرية جزءاً من معادلة الصراع الإقليمي.

وفي هذا السياق، تحمل زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة رسالة تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية؛ فالسعودية ومصر، بحكم موقعهما وثقلهما الإقليمي، تبدوان أمام ضرورة التعامل مع سؤال واحد: كيف يمكن حماية البحر الأحمر ومنع تحول باب المندب إلى نقطة اختناق جديدة للاقتصاد العالمي، في وقت لم يعد فيه مضيق هرمز آمناً كما كان؟

- Advertisement -

- Advertisement -