لكل السوريين

الرقة تنتفض.. المحروقات تشعل الشارع.. فمن يدفع ثمن قرارات الحكومة؟

غضب في الشارع رفضاً للنشرة الجديدة.. والمواطنون يسألون: إلى متى تُدار كلفة المعيشة على حساب جيوب السوريين؟

لم ينتظر الغضب الشعبي طويلاً بعد صدور النشرة الجديدة لأسعار المحروقات. ففي الرقة، خرج مواطنون إلى الشارع احتجاجاً على الارتفاعات الجديدة، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين القرارات الاقتصادية والقدرة المعيشية للسكان، ويعيد ملف المحروقات إلى واجهة الاحتجاجات الشعبية باعتباره واحداً من أكثر الملفات التصاقاً بحياة السوريين اليومية.

وتأتي الاحتجاجات بعد إعلان اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية نشرة جديدة رفعت بموجبها سعر ليتر بنزين أوكتان 95 إلى 195 ليرة سورية جديدة، وبنزين أوكتان 90 إلى 185 ليرة، والمازوت إلى 175 ليرة، فيما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1600 ليرة، والغاز الصناعي إلى 2560 ليرة، وطن الفيول إلى 52800 ليرة.

وفي الرقة، لا ينظر المواطن إلى هذه الأرقام باعتبارها مجرد أسعار جديدة على لوحة محطة وقود، وإنما باعتبارها زيادة مباشرة في كلفة حياته اليومية. فالمحروقات ترتبط بالنقل والزراعة وتشغيل الآليات والمولدات، كما ترتبط بأسعار الخبز والغذاء والسلع والخدمات، ما يجعل أي ارتفاع فيها قابلاً للانتقال سريعاً من محطة الوقود إلى الأسواق والمنازل.

وتكتسب الاحتجاجات في الرقة دلالة خاصة، في محافظة يعتمد جزء كبير من اقتصادها على الزراعة والنقل والتجارة، وهي قطاعات شديدة الحساسية تجاه أسعار المازوت والبنزين. وقد شهدت المحافظة خلال الأشهر الماضية احتجاجات مرتبطة أيضاً بالقرارات الاقتصادية، من بينها وقفات للمزارعين في مدينة الرقة اعتراضاً على تسعيرة القمح، حيث أكد المحتجون حينها أن ارتفاع تكاليف المحروقات والأسمدة والبذار والنقل والري جعل الأسعار المعلنة لا تتناسب مع كلفة الإنتاج.

واليوم، يبدو أن المحروقات تعيد إنتاج المشكلة نفسها، ولكن على نطاق أوسع. فالمزارع يدفع أكثر لتشغيل مضخته وآلياته، وسائق الأجرة يدفع أكثر لتأمين وقود سيارته، وسائق الشاحنة يتحمل زيادة جديدة في تكلفة الرحلة، فيما يجد المواطن نفسه أمام احتمال ارتفاع جديد في أجور النقل وأسعار السلع.

وليس هذا السيناريو افتراضاً بعيداً عن الواقع. فقد انعكس ارتفاع أسعار المحروقات بالفعل على الحركة التجارية والنقل في محافظة الرقة، وفق تقارير محلية رصدت ارتفاع تكاليف النقل وتأثير ذلك في النشاط الاقتصادي.

الرقة تقول: لا يمكن تحميل المواطن كل شيء

الاحتجاجات لا تعني بالضرورة رفض مبدأ مراجعة أسعار المحروقات، فأسعار الطاقة مرتبطة بعوامل كثيرة، بينها تكاليف الاستيراد والأسواق العالمية والنقل والتكرير والتوزيع. لكن جوهر الاعتراض الشعبي يتمثل في سؤال مختلف: هل تملك الجهات المسؤولة مبررات اقتصادية واضحة ومعلنة تجعل المواطن مقتنعاً بأن هذه الزيادة ضرورية ولا بديل عنها؟

فالمواطن الذي يتقاضى دخلاً محدوداً لا يستطيع التعامل مع الأسعار باعتبارها مؤشرات اقتصادية مجردة. بالنسبة إليه، ارتفاع البنزين يعني كلفة تنقل إضافية، وارتفاع المازوت يعني احتمال ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، وارتفاع الغاز يعني زيادة جديدة في تكلفة المعيشة.

وتزداد حساسية المشهد مع تكرار تعديل الأسعار خلال فترة زمنية قصيرة. فقد شهد عام 2026 سلسلة من التغييرات في أسعار المشتقات النفطية، الأمر الذي يجعل أصحاب الأعمال والمزارعين والسائقين عاجزين عن بناء حسابات مستقرة لتكاليفهم، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى قدر من الاستقرار يسمح بالتخطيط والإنتاج.

وكانت احتجاجات سابقة في مناطق شمال شرقي سوريا قد اندلعت اعتراضاً على ارتفاع أسعار المحروقات، ما يؤكد أن القضية لم تعد محصورة في اعتراض فردي أو قطاع مهني محدد، وإنما بدأت تتحول إلى ملف معيشي واسع. كما شهدت الرقة في وقت سابق احتجاجات لسائقي سيارات الأجرة على خلفية ارتفاع أسعار البنزين وتأثير ذلك على دخلهم اليومي.

من يدفع فاتورة القرار؟

السؤال الذي يخرج من شوارع الرقة اليوم لا يتعلق بسعر ليتر البنزين أو المازوت وحده، بل بمن يتحمل كلفة القرارات الاقتصادية المتلاحقة.

فإذا كان رفع الأسعار ضرورياً بسبب ارتفاع كلفة تأمين المحروقات، فإن المواطن ينتظر في المقابل معرفة تفاصيل هذه الكلفة. كيف حُسب السعر؟ وما قيمة كلفة الاستيراد أو الإنتاج؟ وما حجم النقل والتوزيع؟ وما هامش الربح؟ وهل توجد آليات لحماية الفئات الأقل دخلاً والقطاعات الإنتاجية من آثار الزيادة؟

إن غياب هذه الإجابات يفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان، لأن المواطن يرى النتيجة النهائية فقط: سعر أعلى، ونقل أغلى، وسلع أكثر كلفة، بينما لا يرى في المقابل تحسناً يوازي هذه الزيادات في دخله أو الخدمات التي يحصل عليها.

وفي الرقة، حيث لا تزال الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متراكمة، تبدو الاحتجاجات رسالة تتجاوز سعر المحروقات نفسه. إنها رسالة تقول إن قدرة الناس على تحمل المزيد بدأت تضيق، وإن القرارات الاقتصادية التي تمس تفاصيل الحياة اليومية لم تعد قادرة على المرور من دون رد فعل شعبي.

وبينما تؤكد الجهات المعنية أن تسعير المحروقات يخضع لمراجعة دورية وفق مؤشرات اقتصادية وفنية، يبقى الشارع مطالباً بأن يرى هذه المعادلة بصورة أكثر شفافية، وأن يعرف لماذا ترتفع الأسعار، وإلى أين تذهب الزيادة، وما الذي ستفعله الحكومة لحماية المواطن من موجة غلاء جديدة.

في الرقة، لم تعد المحروقات مجرد مادة تُباع في المحطات؛ أصبحت عنواناً لسؤال أكبر: إلى أي حد يستطيع السوري أن يتحمل ارتفاع كلفة الحياة، بينما يبقى دخله عاجزاً عن اللحاق بالأسعار؟

- Advertisement -

- Advertisement -