ليست أخطر أزمات أفريقيا تلك الحروب التي تدور رحاها بصورة مباشرة، بل تلك التي تتوقف مؤقتاً من دون أن تنتهي أسبابها. فالقارة التي شهدت خلال العقود الماضية اتفاقات سلام ومبادرات سياسية عديدة، تواجه اليوم معضلة أكثر تعقيداً: كيف يمكن لسلام هش، لا يستند إلى مؤسسات قوية ولا يعالج جذور الصراع، أن يتحول من فرصة للاستقرار إلى مرحلة انتقالية نحو حرب جديدة؟
المشهد الأفريقي الحالي يقدم نماذج واضحة لهذه المعضلة. ففي السودان، دخل الصراع عامه الرابع تقريباً من دون تسوية حقيقية، فيما امتد القتال إلى مناطق جديدة وتحوّل البلد إلى ساحة تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية. وفي جنوب السودان، تتآكل تدريجياً الترتيبات التي قامت عليها عملية السلام، بينما تتزايد المواجهات السياسية والمسلحة والانقسامات داخل المؤسسات. أما منطقة البحيرات العظمى والساحل، فتظهر فيها صورة أخرى من هشاشة الأمن، حيث تتعايش المبادرات الدبلوماسية مع استمرار نشاط الجماعات المسلحة والتنافس على الموارد والنفوذ.
المشكلة هنا لا تكمن في غياب اتفاقات السلام بقدر ما تكمن في تحويل الاتفاق إلى غاية بحد ذاته. فالتوقيع على وثيقة لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب، كما أن وقف إطلاق النار لا يعني بناء السلام. السلام الحقيقي يحتاج إلى إعادة بناء الدولة، وتوحيد المؤسسات الأمنية، وإعادة دمج المقاتلين، وضمان مشاركة سياسية حقيقية، ومعالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية التي كانت في الأصل أحد أسباب الصراع.
عندما يصبح الهدوء مجرد هدنة
في العديد من المناطق الأفريقية، يبدو الهدوء أحياناً أشبه بهدنة طويلة بين جولتين من العنف.
فعندما تبقى الأسلحة في أيدي جماعات متعددة، وتظل الحدود رخوة، وتستمر المنافسة على الذهب والنفط والأراضي والممرات التجارية، فإن أي اتفاق سياسي يبقى معرضاً للانهيار عند أول أزمة. وتشير تحليلات حديثة إلى أن النزاعات في أفريقيا جنوب الصحراء ترتبط بصورة وثيقة بضعف مؤسسات الدولة، ونشاط الجماعات المسلحة، والتنافس على الموارد، إضافة إلى تراجع المساعدات الإنسانية والوقائية.
وهنا تظهر المفارقة: المجتمع الدولي ينفق جهوداً كبيرة لإنهاء الحرب، لكنه لا ينفق بالقدر نفسه على منع عودتها.
فمن الأسهل سياسياً الإعلان عن اتفاق سلام من بناء جهاز قضائي مستقل، أو إصلاح مؤسسة عسكرية، أو توفير فرص اقتصادية لشباب عاشوا سنوات في بيئة الحرب والسلاح. لكن هذه الملفات الصعبة هي التي تحدد في النهاية ما إذا كان السلام سيبقى أم سيسقط.
السودان.. المثال الأكثر قسوة
يقدم السودان نموذجاً صارخاً لما يحدث عندما تفشل التسويات في معالجة بنية الصراع.
فالحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لم تعد مجرد مواجهة على السلطة في العاصمة، بل تحولت إلى صراع واسع ذي أبعاد جغرافية وإقليمية وإنسانية عميقة. ومع استمرار القتال، تراجعت قدرة الدولة على حماية المدنيين وتوفير الخدمات، فيما أصبحت مناطق واسعة خارج السيطرة الفعلية لطرف واحد.
والأخطر أن الحرب نفسها بدأت تنتج اقتصاداً جديداً قائماً على السلاح والموارد والتهريب والمصالح العابرة للحدود. وفي مثل هذه البيئات، يصبح استمرار الصراع مصلحة لبعض القوى التي راكمت نفوذاً وثروة من الحرب.
وهنا تحديداً يكمن الخطر الأمني الجديد: عندما يصبح الصراع اقتصاداً قائماً بذاته، يصبح السلام تهديداً لمصالح المستفيدين من الحرب.
جنوب السودان.. السلام الذي يتآكل من الداخل
في جنوب السودان، لا يبدو الخطر أقل وضوحاً. فقد أُنشئ اتفاق السلام لعام 2018 كإطار لإدارة المرحلة الانتقالية وإنهاء الصراع، إلا أن التأخير في تنفيذ بنوده، وتعثر الإصلاحات الأمنية، واستمرار الخلافات السياسية، كلها عوامل أضعفت قدرة الاتفاق على منع عودة العنف.
والأمر لا يتوقف عند المواجهة بين القوى السياسية والعسكرية، إذ تتداخل معها نزاعات محلية على الأرض والموارد، ما يجعل أي أزمة سياسية قابلة للتحول سريعاً إلى صدام اجتماعي وأمني.
وفي بلد يحتاج فيه ملايين السكان إلى المساعدات الإنسانية، يصبح انهيار الأمن أكثر من مجرد قضية سياسية؛ إنه تهديد مباشر للحياة اليومية ولمستقبل الدولة نفسها. وقد شهد عام 2026 ارتفاعاً حاداً في الاعتداءات على العاملين في المجال الإنساني، في مؤشر إضافي على تدهور البيئة الأمنية.
الساحل والبحيرات العظمى.. تعدد اللاعبين يعني تعدد الأزمات
في الساحل الأفريقي، أدى ضعف الدولة واتساع المناطق الحدودية وصعوبة السيطرة عليها إلى توفير بيئة مناسبة للجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية. كما أن العنف لم يعد محصوراً في المناطق النائية، بل بات يمتد إلى المدن ومحيطها، مع استمرار هشاشة المؤسسات المحلية.
أما منطقة البحيرات العظمى، فتزداد الصورة تعقيداً مع استمرار وجود جماعات مسلحة وتداخل المصالح الإقليمية مع التنافس على الموارد. ورغم تعدد المبادرات السياسية، فإن المسار الدبلوماسي لم ينجح حتى الآن في إنتاج استقرار ميداني مستدام.
وهكذا تتحول القارة إلى مجموعة من الأزمات المترابطة: صراع محلي يستفيد من حدود مفتوحة، وجماعة مسلحة تستفيد من ضعف الدولة، ودولة مجاورة تتدخل لحماية مصالحها، وقوى خارجية تبحث عن النفوذ والموارد.
الخطر لم يعد أفريقياً فقط
الاعتقاد بأن أزمات أفريقيا شأن داخلي لم يعد واقعياً.
فالحروب الأفريقية أصبحت مرتبطة بالهجرة، والجريمة المنظمة، وتجارة السلاح، والموارد الطبيعية، وأمن الغذاء والطاقة، والممرات البحرية والتجارية. كما أن دخول مقاتلين أجانب وشركات أمنية خاصة وشبكات تمويل عابرة للحدود إلى بعض النزاعات يزيد من قدرتها على الاستمرار والتوسع. وقد كشفت تطورات الحرب في السودان خلال 2026 عن اتساع الدور الإقليمي والدولي في النزاع، بما في ذلك اتهامات مرتبطة بالمقاتلين الأجانب، مع استمرار نفي بعض الأطراف للاتهامات الموجهة إليها.
وبذلك لم تعد الحدود السياسية قادرة على احتواء تداعيات الحروب. فالاضطراب في دولة واحدة يمكن أن ينتقل إلى جيرانها عبر اللاجئين والسلاح والجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
السلام الحقيقي يبدأ بعد توقيع الاتفاق
أفريقيا لا تحتاج إلى المزيد من الاتفاقات الورقية بقدر ما تحتاج إلى بناء السلام على الأرض.
فالسلام المستدام يبدأ من مؤسسات قادرة على فرض القانون، وجيوش موحدة تخضع للسلطة المدنية، واقتصاد يوفر بديلاً عن اقتصاد الحرب، وعدالة تعالج الانتهاكات من دون أن تتحول إلى أداة انتقام، ومجتمعات محلية تشعر بأن لها مكاناً في الدولة.
كما أن معالجة الصراعات تتطلب تقليص الاعتماد على الحلول الأمنية وحدها. فالفقر والتهميش وغياب الخدمات وانعدام فرص العمل ليست أسباباً ثانوية في كثير من النزاعات، بل يمكن أن تتحول إلى وقود مباشر للتجنيد المسلح والتطرف والجريمة.
الخطر الحقيقي هو اعتياد الحرب
ربما يكون أخطر ما تواجهه أفريقيا اليوم ليس اندلاع حرب جديدة، وإنما اعتياد المجتمعات والدول على فكرة الحرب نفسها.
عندما يكبر جيل كامل وهو يرى السلاح وسيلة للوصول إلى السلطة، وتصبح الميليشيا بديلاً عن الدولة، ويصبح الاتفاق السياسي مجرد هدنة مؤقتة، فإن الحرب تتحول من حالة استثنائية إلى جزء من النظام السياسي والاجتماعي.
وهنا يصبح السلام هشاً بطبيعته.
إن أفريقيا لا تحتاج فقط إلى إيقاف إطلاق النار، بل إلى إغلاق الأبواب التي أعادت إنتاج الحرب في كل مرة. فالمعركة الحقيقية ليست بين بندقية وأخرى، وإنما بين نموذجين لمستقبل القارة: نموذج دولة قادرة على احتكار السلاح وتوفير العدالة والفرص، ونموذج تظل فيه السلطة موزعة بين الحكومات والجماعات المسلحة والشبكات الاقتصادية العابرة للحدود.
وإذا لم تُحسم هذه المعركة لمصلحة الدولة والمجتمع، فقد يتحول ما يسمى اليوم بـ”السلام الهش” إلى أخطر وقود لصراعات الغد.
فالسلام الذي لا يعالج جذور الحرب لا ينهيها.. بل يمنحها وقتاً للاستعداد من جديد.