لكل السوريين

طرطوس.. الصرف الصحي يضغط على البحر والسياحة ومحطة المعالجة المركزية تراوح مكانها

تواجه محافظة طرطوس تحدياً بيئياً وخدمياً متراكماً يتمثل في ضعف منظومة الصرف الصحي وتأخر تنفيذ عدد من محطات المعالجة، في وقت لا تزال فيه مياه الصرف الصحي تجد طريقها إلى الوديان والبحر، ما يثير مخاوف متزايدة على البيئة البحرية والصحة العامة، ويضع القطاع السياحي والاستثماري أمام مشكلة إضافية في محافظة تعتمد بدرجة كبيرة على جاذبية ساحلها.

وتبرز محطة المعالجة المركزية لمدينة طرطوس باعتبارها الحلقة الأهم في معالجة المشكلة، إلا أن المشروع الذي بدأ قبل سنوات طويلة لم يصل إلى مرحلة التشغيل، فيما لا تزال المحافظة تعتمد على منظومة من محطات الضخ والخطوط الناقلة التي تهدف إلى تجميع المياه وتحويلها إلى موقع المحطة المركزية، من دون أن يعني ذلك انتهاء مشكلة المعالجة نفسها.

مشروع استراتيجي متعثر منذ سنوات

تعود بدايات مشروع محطة طرطوس المركزية إلى عام 2008، فيما تشير بيانات سابقة إلى أن نسبة التنفيذ بقيت عند مستويات منخفضة، ووصلت في تقارير مختلفة إلى نحو 8% إلى 10%، مع تعثر الشركة المنفذة وتوقف الأعمال لفترات طويلة.

وفي تقرير نشرته صحيفة «الثورة» في تشرين الثاني 2025، أشارت مصادر في قطاع الصرف الصحي إلى أن التعاقد على تنفيذ المحطة مع شركة «طهران ميراب» الإيرانية يعود إلى أكثر من عقد، وأن نسبة التنفيذ لم تتجاوز 8%، مؤكدة أن الملف كان قيد المتابعة بهدف إيجاد حل يسمح باستكمال المشروع.

وتكمن أهمية المحطة في كونها جزءاً من منظومة متكاملة يفترض أن تجمع مياه الصرف القادمة من مناطق مختلفة في مدينة طرطوس، عبر محطات ضخ بينها الغمقة ومشوار والعجمي، قبل نقلها إلى موقع محطة المعالجة المركزية شمال المدينة.

لكن بقاء المحطة المركزية خارج الخدمة يعني أن اكتمال شبكة النقل والضخ وحده لا يكفي لإنهاء المشكلة، إذ تبقى الحاجة الأساسية متمثلة في معالجة المياه قبل تصريفها النهائي.

مصبات مفتوحة تضغط على الساحل

وفي ظل عدم اكتمال منظومة المعالجة، تستمر مصبات للصرف الصحي في عدد من المناطق الساحلية والريفية بالتسبب بمشكلات بيئية.

وأظهر تقرير ميداني نشر في 23 آب 2026 وجود مصب للصرف الصحي على كورنيش بانياس، مع شكاوى مرتبطة بالروائح الكريهة والقوارض، الأمر الذي يفاقم المخاوف المتعلقة بالسلامة العامة والبيئة البحرية.

ولا تقتصر المشكلة على مدينة طرطوس، إذ أظهرت تقارير محلية سابقة أن مصبات الصرف في عدد من القرى تنتهي في الوديان، فيما تصل مصبات أخرى إلى البحر، وهو ما يجعل معالجة مياه الصرف واحدة من الملفات البيئية الأكثر إلحاحاً على امتداد المحافظة.

وكانت دراسة أعدتها الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا» قبل سنوات قد أشارت إلى وجود مصبات عديدة للصرف الصحي تصب مباشرة في البحر دون معالجة، محذرة من آثار ذلك على جودة مياه البحر. وتعود هذه الدراسة إلى فترة أقدم، لكنها تعكس أن مشكلة الصرف الساحلي في طرطوس ليست جديدة، بل تمتد لسنوات طويلة.

40% فقط من المناطق مخدمة بالشبكات

وتكشف بيانات منشورة في تموز 2025 عن اتساع الفجوة بين احتياجات المحافظة والبنية التحتية المتوافرة، إذ أكد مدير شركة الصرف الصحي في طرطوس آنذاك أن نسبة المناطق المخدمة بشبكات الصرف الصحي لم تتجاوز 40%.

وفي المناطق الريفية، تعتمد مناطق واسعة على الجور الفنية، التي قد تكون غير مطابقة للمواصفات من حيث العزل والأبعاد، ما يزيد مخاطر تسرب الملوثات إلى التربة والمياه الجوفية ويضاعف الأعباء الصحية والبيئية.

وتشير هذه النسبة إلى أن مشكلة الصرف الصحي لا تتعلق بمحطة طرطوس المركزية وحدها، وإنما ترتبط بمنظومة واسعة تشمل الشبكات والمجمعات ومحطات الضخ ومحطات المعالجة، إضافة إلى صيانة المنشآت القديمة وتوسيع نطاق الخدمة إلى المناطق غير المخدمة.

42 محطة معالجة كحل بديل

وفي مواجهة صعوبة تنفيذ المحطات المركزية الكبيرة، أعلنت شركة الصرف الصحي في طرطوس عن إعداد دراسة لإنشاء 42 محطة معالجة مكانية موزعة في مناطق مختلفة من المحافظة، بهدف رفع نسبة المعالجة، خصوصاً في المناطق الريفية، وتقليل وصول الملوثات إلى مصادر المياه.

وبحسب المعطيات المنشورة في تشرين الثاني 2025، يجري البحث عن مصادر تمويل لتنفيذ هذه المشاريع عبر المنظمات الداعمة أو الخطط الحكومية، بالتوازي مع العمل على استكمال عدد من المحطات التي وصلت أعمالها إلى مراحل متقدمة.

ويمثل هذا الاتجاه محاولة لمعالجة المشكلة على مستوى التجمعات السكانية بدلاً من انتظار اكتمال المحاور الكبرى، خصوصاً أن تنفيذ محطة مركزية واحدة يحتاج إلى شبكات ومحطات ضخ وخطوط ناقلة واستثمارات كبيرة.

البحر ليس المتضرر الوحيد

ولا تتوقف تداعيات ضعف منظومة الصرف الصحي عند الشريط الساحلي. فتصريف المياه غير المعالجة في الوديان أو قرب التجمعات السكانية يمكن أن يهدد التربة والمياه الجوفية ومصادر مياه الشرب، فضلاً عن التأثير في الأراضي الزراعية.

وكانت تقارير محلية قد حذرت سابقاً من انعكاسات تأخر محطات المعالجة على بحيرة سد الباسل وغيرها من المصادر المائية، بينما تستهدف بعض المشاريع الجاري العمل عليها الحد من التلوث الذي يصل إلى هذه المصادر.

كما أن الاعتماد على الجور الفنية في المناطق غير المخدمة يضيف مشكلة أخرى، خصوصاً عندما تكون هذه المنشآت غير محكمة أو تفتقر إلى شروط السلامة، ما يزيد احتمالات تسرب المياه الملوثة إلى البيئة المحيطة.

عبء إضافي على السياحة والاستثمار

تكتسب مشكلة الصرف الصحي في طرطوس أهمية خاصة بسبب الطبيعة السياحية والاستثمارية للمحافظة، التي يرتبط جزء من جاذبيتها بالشاطئ والواجهة البحرية.

فالروائح المنبعثة من المصبات، وانتشار القوارض، وتشوه المشهد العام بالقرب من المناطق الساحلية، عوامل يمكن أن تؤثر في تجربة الزوار وتزيد صعوبة جذب استثمارات جديدة في المناطق المتضررة.

ولا يعني ذلك أن تعثر الصرف الصحي هو العامل الوحيد المؤثر في الاستثمار السياحي، لكنه يمثل جزءاً من البنية التحتية الأساسية التي يفترض توفيرها قبل التوسع في أي نشاط سياحي أو عمراني على الساحل.

بين الحلول الإسعافية والمشروع المنتظر

شهدت السنوات الماضية تنفيذ أو تشغيل عدد من محطات الضخ والمشاريع الجزئية في المحافظة، كما دخلت بعض محطات المعالجة الصغيرة الخدمة، من بينها محطتا بعمرة وبمسقس اللتان أُعلن عن إنجازهما في 2022.

وفي المقابل، لا تزال محطات أخرى بحاجة إلى استكمال التجهيزات أو إزالة عوائق فنية وإدارية، فيما تبقى محطة طرطوس المركزية المشروع الأبرز والأكثر تأثيراً على معالجة مشكلة الصرف في المدينة.

وفي الوقت نفسه، أعلنت الجهات المعنية عن خطط لتوسيع المعالجة المكانية وإنشاء محطات جديدة، في محاولة لتخفيف الضغط عن المصادر المائية وتقليل التلوث قبل الوصول إلى حل شامل للمحاور الرئيسية.

ملف يحتاج إلى جدول زمني واضح

تظهر الصورة الحالية أن طرطوس لا تعاني من غياب المشاريع بقدر ما تعاني من تراكم مشاريع لم تكتمل في مواعيدها، إلى جانب الحاجة إلى تمويل وصيانة وتحديث الشبكات القائمة.

وبينما تواصل الجهات المعنية طرح حلول تتراوح بين استكمال محطة طرطوس المركزية وإنشاء محطات معالجة مكانية، يبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من مرحلة الدراسات والوعود إلى التنفيذ الفعلي، مع تحديد جداول زمنية واضحة ومصادر تمويل ومسؤوليات محددة.

فكل عام إضافي من التأخير يعني استمرار ضغط الصرف غير المعالج على البحر والمياه الجوفية والتربة، ويزيد كلفة المعالجة مستقبلاً. أما حماية ساحل طرطوس والحفاظ على جاذبيته السياحية والاستثمارية، فتبدأ من معالجة المشكلة في مصدرها، لا من محاولة التعامل مع آثارها بعد وصولها إلى البحر.

- Advertisement -

- Advertisement -