لكل السوريين

الرهان الإيراني على الحرب… هل أصبحت المواجهة خياراً استراتيجياً أم ضرورة سياسية؟

لم تكن المواجهة العسكرية بالنسبة لإيران، على امتداد العقود الماضية، هدفاً بحد ذاتها، بقدر ما كانت أداة لإعادة رسم موازين القوى وتحسين شروط التفاوض. إلا أن التطورات التي شهدها الشرق الأوسط خلال عام 2026 دفعت طهران إلى اختبار معادلة جديدة تقوم على أن الحرب، رغم كلفتها الباهظة، قد تكون أقل خسارة من تقديم تنازلات استراتيجية تمس نفوذها الإقليمي أو برنامجها النووي.

فبعد سنوات من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والعزلة الدولية، باتت القيادة الإيرانية ترى أن سياسة “الصبر الاستراتيجي” لم تعد تحقق المكاسب ذاتها، وأن رفع تكلفة أي مواجهة على خصومها قد يكون السبيل الوحيد لفرض وقائع جديدة على طاولة السياسة. هذا التحول انعكس في طبيعة الردود الإيرانية، التي أصبحت أكثر مباشرة، وفي استعدادها لتحمل مخاطر المواجهة المفتوحة، وإن بقيت تحاول تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة يصعب التحكم بمآلاتها.

لكن الرهان على الحرب ليس مجرد قرار عسكري، بل هو أيضاً رهان سياسي داخلي. فالقيادة الإيرانية تدرك أن الأزمات الاقتصادية المتراكمة، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة، وتزايد الضغوط الاجتماعية، كلها عوامل تجعل أي تراجع أمام الضغوط الخارجية يبدو مكلفاً على مستوى الشرعية الداخلية. ومن هنا، يصبح إظهار القدرة على الصمود والمواجهة جزءاً من معادلة تثبيت النظام، حتى وإن كانت الكلفة الاقتصادية تزداد يوماً بعد آخر.

في المقابل، لا يبدو أن خصوم إيران حققوا أهدافهم بالكامل. فالرهانات على إضعاف النظام أو إجباره على تغيير سياساته بصورة سريعة لم تتحقق كما كان متوقعاً، بينما أثبتت المواجهات الأخيرة أن الضربات العسكرية، مهما بلغت دقتها، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جذري. وقد دفعت هذه النتيجة مختلف الأطراف إلى إعادة تقييم حساباتها، بعدما اتضح أن الصراع بات أكثر تعقيداً من مجرد تفوق عسكري أو تقني.

ومع ذلك، فإن استمرار الرهان الإيراني على سياسة حافة الهاوية يحمل مخاطر كبيرة. فكل جولة تصعيد تزيد احتمالات الخطأ في الحسابات، وقد تؤدي إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود إيران وإسرائيل لتطال أمن الخليج، وحركة الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة العالمية، وهو ما أثبتته الأزمات المتكررة في مضيق هرمز والبحر الأحمر خلال الأشهر الماضية.

إقليمياً، لا يمكن فصل هذا الرهان عن التحولات التي تشهدها المنطقة. فقد تغيرت طبيعة التحالفات، وتبدلت أولويات العديد من الدول، بينما تسعى قوى إقليمية إلى تجنب الانخراط في حرب واسعة قد تهدد استقرارها الاقتصادي والسياسي. وفي ظل هذه المعادلة، تجد إيران نفسها أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما الاستمرار في سياسة الردع والمواجهة مع ما تحمله من استنزاف طويل، أو العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط قد لا تنسجم مع سقف طموحاتها الاستراتيجية.

وفي النهاية، يبدو أن الرهان الإيراني على الحرب لا يستند إلى قناعة بإمكانية تحقيق نصر عسكري حاسم، بقدر ما يقوم على محاولة منع الخصوم من تحقيق أهدافهم وفرض معادلة ردع جديدة. غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن الحروب الطويلة نادراً ما تترك منتصرين حقيقيين، وأن كلفة استمرار الصراع غالباً ما تتجاوز المكاسب السياسية والعسكرية التي يسعى إليها أي طرف.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح إيران في تحويل المواجهة إلى ورقة تفاوض تعزز موقعها الإقليمي، أم أن استمرار الاعتماد على منطق القوة سيقود المنطقة إلى مرحلة أكثر اضطراباً، حيث تصبح الحرب خياراً دائماً، ويغدو السلام استثناءً نادراً؟

- Advertisement -

- Advertisement -