لكل السوريين

من أطلال إلى فضاء ثقافي.. منزل أبي خليل القباني يستعيد ذاكرته في دمشق

بعد سنوات طويلة من الإهمال والمطالبات المتكررة بإنقاذه، بدأ منزل رائد المسرح العربي أبي خليل القباني في دمشق يستعيد حضوره، مع انطلاق أعمال ترميم الموقع في خطوة طال انتظارها لإعادة الاعتبار إلى أحد أبرز الشواهد المرتبطة بتاريخ المسرح السوري والعربي.

ويقع المنزل في منطقة المزة – كيوان، إلى الشمال من المدينة الجامعية، بالقرب من بيت السادات وبيت الغزاوي، ويطل على وادي بردى وجبل قاسيون. ولم تكن أهمية المكان مرتبطة فقط بكونه منزلاً تاريخياً، بل بات جزءاً من الذاكرة المسرحية للقباني، إذ كانت ساحته تُستخدم لإجراء التدريبات على عروضه المسرحية.

بيت صغير يحمل ذاكرة مسرح كبير

أبو خليل القباني، المولود عام 1833 والمتوفى عام 1903، يعد من أبرز رواد المسرح العربي، وارتبط اسمه بالبدايات الأولى للحركة المسرحية في دمشق، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى القاهرة ويواصل نشاطه الفني هناك.

وتكمن قيمة المنزل في أنه يمثل شاهداً مادياً على مرحلة مهمة من حياة القباني، وعلى بدايات تشكل تجربة مسرحية سورية وعربية كانت جديدة على المجتمع آنذاك.

وبحسب الدراسات الأثرية، فإن ما تبقى من المنزل تبلغ مساحته نحو 200 متر مربع، وكان مؤلفاً من طابق واحد وعدة فراغات، مع احتفاظ أطلاله بعناصر من العمارة التقليدية، بينها الأقواس الحجرية وبعض مكونات البناء والأسقف والكسوات التقليدية.

سنوات من الإهمال

لم يكن طريق المنزل إلى الترميم قصيراً. فقد تعرض خلال العقود الماضية لتدهور متواصل نتيجة الإهمال وعوامل الزمن، إلى أن تهدمت أسقفه وتداعى جزء من جدرانه، ولم يبقَ منه سوى أجزاء محدودة تكشف ملامحه الأساسية.

وكانت وزارة السياحة قد استملكت المنزل عام 2010، وطرحت أفكاراً لإعادة تأهيله وتوظيفه ثقافياً وسياحياً، إلا أن المشروع لم يرَ النور بالشكل المأمول، وبقي الموقع لسنوات عرضة لمزيد من التدهور.

ومع تزايد المطالبات من المسرحيين والمهتمين بالتراث، عاد المنزل إلى واجهة الاهتمام الثقافي، وصولاً إلى بدء أعمال الترميم خلال آب الماضي.

من منزل تاريخي إلى متحف للمسرح

لا تتوقف أهمية مشروع الترميم عند إنقاذ جدران مبنى قديم، وإنما تتعلق بما يمكن أن يمثله الموقع مستقبلاً بوصفه مساحة لإحياء الذاكرة المسرحية السورية.

وكانت الدراسات الأثرية قد اقترحت تحويل المنزل إلى متحف للتراث المسرحي لأبي خليل القباني، يضم ركناً لمقتنياته الشخصية ومكتبة متخصصة في حياته والمسرح، إلى جانب إقامة مسرح في الهواء الطلق ضمن المساحة المحيطة بالمنزل، بما يسمح باستعادة الوظيفة الثقافية للمكان.

وهذا التصور، في حال تنفيذه، يمكن أن يمنح الموقع وظيفة تتجاوز فكرة المتحف التقليدي، ليصبح مساحة حية للعروض المسرحية والفعاليات الثقافية والندوات، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ المسرح السوري.

ذاكرة فنية لا تختصرها الجدران

ارتبط اسم القباني أيضاً بالموسيقى والغناء والموشحات، وبأعمال بقيت حاضرة في الذاكرة الفنية السورية والعربية. ولذلك فإن الحفاظ على منزله لا يمثل مجرد حماية لمبنى أثري، بل صوناً لجزء من تاريخ الحركة الفنية التي أسهمت في تشكيل الثقافة السورية الحديثة.

ومن هنا، فإن نجاح عملية الترميم لن يقاس فقط بعودة الجدران والأسقف إلى شكلها التاريخي، بل بقدرة المشروع على إعادة الحياة الثقافية إلى المكان، وتحويله من موقع مهدد بالاندثار إلى فضاء مفتوح أمام المسرحيين والموسيقيين والباحثين والجمهور.

استعادة المكان.. واستعادة الذاكرة

يمثل بدء الترميم فرصة لإعادة قراءة تاريخ القباني من خلال المكان الذي عاش فيه ومارس فيه جزءاً من تجربته الفنية. فالبيوت المرتبطة بالشخصيات الثقافية لا تكتسب قيمتها من عمارتها وحدها، وإنما من القصص والأفكار والتجارب التي شهدتها.

وبعد سنوات كان فيها منزل أبي خليل القباني مهدداً بفقدان ما تبقى من عناصره، يأتي الترميم ليمنح الموقع فرصة جديدة للحياة، ويطرح في الوقت نفسه سؤالاً أوسع حول مصير عشرات المواقع الثقافية والتاريخية التي تحتاج إلى حماية وتأهيل.

فإذا اكتملت عملية الترميم وفق رؤية تحافظ على أصالة المكان وتمنحه وظيفة ثقافية مستدامة، يمكن لمنزل أبي خليل القباني أن ينتقل من ذاكرة مهددة بالاندثار إلى ذاكرة حية، تروي للأجيال قصة رجل أسهم في وضع اللبنات الأولى للمسرح العربي.

- Advertisement -

- Advertisement -