لكل السوريين

اليمن أمام تصعيد جديد.. الحوثيون يتقدمون نحو باب المندب ومخاوف من عودة الحرب الشاملة

دخل اليمن مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، مع اتساع رقعة المواجهات بين جماعة أنصار الله «الحوثيين» والقوات الموالية للحكومة اليمنية، وسط تحذيرات أممية من تداعيات خطيرة على المدنيين وعلى المسار السياسي الهش الذي حافظ على قدر من الهدوء النسبي خلال السنوات الماضية.

وتأتي التطورات الأخيرة في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً إقليمياً واسعاً، ما أعاد اليمن إلى واجهة التوترات الأمنية في الشرق الأوسط، ولا سيما مع عودة الهجمات العابرة للحدود وتزايد المخاطر المحيطة بالممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.

تقدّم حوثي على الساحل الغربي

وأفادت تقارير دولية، الخميس، بأن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية على البحر الأحمر، في تطور من شأنه أن يعزز مواقع الجماعة قرب مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. كما تحدثت التقارير عن تحركات حوثية باتجاه جزر ومواقع بحرية قريبة من المضيق.

وتكتسب المخا أهمية خاصة بسبب موقعها القريب من باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويُعد ممراً رئيسياً لحركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب.

ويرى مراقبون أن اتساع نفوذ الحوثيين على الساحل الغربي يمكن أن يمنح الجماعة أوراق ضغط إضافية في مواجهة الحكومة اليمنية وحلفائها الإقليميين، كما يرفع منسوب المخاوف الدولية بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر.

تصعيد متبادل مع السعودية

بالتزامن مع التطورات الميدانية، صعّد الحوثيون هجماتهم باتجاه الأراضي السعودية، مستهدفين مواقع ومنشآت مرتبطة بالطاقة، فيما ردت السعودية بغارات جوية على مواقع تابعة للجماعة داخل اليمن.

وأكدت الأمم المتحدة، في إحاطة لها هذا الأسبوع، أنها تدين الهجمات الحوثية العابرة للحدود على مواقع في جنوب السعودية، والتي طالت مدنيين ومنشآت للطاقة، معربة في الوقت نفسه عن قلقها من تصاعد المعارك على عدة جبهات داخل اليمن وسقوط ضحايا مدنيين.

وتشير تقارير دولية إلى أن الرياض وجهت، عبر قنوات دبلوماسية، رسائل إلى طهران للضغط من أجل وقف التصعيد الحوثي، في حين تنفي إيران امتلاكها سيطرة مباشرة على قرارات الجماعة.

باب المندب في قلب الأزمة

ويمنح الموقع الجغرافي لليمن التطورات الحالية بعداً يتجاوز حدود الحرب الداخلية. فمضيق باب المندب يمثل حلقة أساسية في حركة التجارة العالمية، وأي اضطراب واسع في الملاحة عبره قد يؤدي إلى إعادة توجيه السفن ورفع تكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن زيادة الضغوط على أسواق الطاقة.

وتأتي هذه المخاوف في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى أسواق النفط العالمية، في ظل اضطرابات أخرى تشهدها طرق الطاقة في المنطقة. وقد انعكست المخاوف من اتساع نطاق الاضطرابات البحرية على أسعار النفط، مع تسجيل خام برنت مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل في خضم التصعيد الإقليمي.

الأمم المتحدة تحذر من اتساع رقعة الحرب

وتحاول الأمم المتحدة احتواء التصعيد والحفاظ على مساحة للحوار السياسي. وقالت المنظمة الدولية إن المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، يواصل اتصالاته مع أطراف النزاع بهدف احتواء التصعيد والحفاظ على المسار السياسي.

لكن المنظمة حذرت من أن استمرار العمليات العسكرية قد تكون له تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية «مدمرة» على اليمن، داعية جميع الأطراف إلى ضبط النفس والالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والمنشآت المدنية.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن التصعيد الذي بدأ في الثالث من أيلول/سبتمبر أدى إلى نزوح أكثر من 5600 أسرة في محافظتي تعز والحديدة، فيما سُجلت خلال أسبوع واحد 11 إصابة أو وفاة بين المدنيين، بينهم طفلان، إضافة إلى سقوط ضحايا في مخيمات للنازحين بمحافظة مأرب.

أزمة إنسانية تتفاقم

ولا ينفصل التصعيد العسكري عن الواقع الإنساني الصعب الذي يعيشه اليمنيون. فبحسب أحدث بيانات الأمم المتحدة، يُتوقع أن يحتاج أكثر من 21 مليون شخص في اليمن إلى المساعدات الإنسانية خلال عام 2026، فيما يعاني نحو 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم ملايين الأطفال المتضررين من سوء التغذية.

وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، تشير بيانات الأمم المتحدة ومنظمات الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف إلى أن نحو 5 ملايين شخص يواجهون حالياً مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، مع توقعات بارتفاع العدد خلال موسم الشح الغذائي.

ويزيد تراجع التمويل الإنساني وتدهور الاقتصاد من صعوبة الاستجابة، في وقت لا يزال فيه النظام الصحي والبنية التحتية والخدمات الأساسية يعانون آثار أكثر من عقد من الحرب.

هل يعود اليمن إلى الحرب الشاملة؟

التطورات الأخيرة تثير تساؤلات جدية حول مصير حالة الهدوء النسبي التي سادت منذ الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022، وما إذا كان التصعيد الحالي سيتحول إلى مواجهة واسعة داخل اليمن أو يبقى مرتبطاً بالتوتر الإقليمي.

ويحذر مراقبون من أن توسع المعارك على الساحل الغربي، بالتوازي مع الهجمات على السعودية والتهديدات التي تحيط بالملاحة في باب المندب، قد يفتح جبهات جديدة ويصعّب مهمة الأمم المتحدة في إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات.

وفي المقابل، لا تزال القنوات السياسية قائمة، فيما تضغط الأمم المتحدة باتجاه منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، معتبرة أن أي حل مستدام للأزمة اليمنية لن يكون عسكرياً، وأن التصعيد لن يؤدي سوى إلى تعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي أنهكت البلاد.

وبينما يترقب اليمنيون نتائج التحركات الدبلوماسية خلال الأيام المقبلة، تبدو البلاد أمام اختبار جديد: إما احتواء التصعيد والعودة إلى المسار السياسي، أو الانزلاق مجدداً إلى حرب مفتوحة ستكون تداعياتها أبعد من حدود اليمن، لتطال أمن البحر الأحمر وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.

- Advertisement -

- Advertisement -