مستودعات الموت المؤجل.. مخلفات الحرب تحاصر المدنيين في شمال غرب سوريا
انفجار سرمدا يعيد فتح ملف الذخائر المخزنة قرب التجمعات السكانية.. مطالب شعبية بنقلها وتأمينها
لم يكن الانفجار الذي هزّ محيط مدينة سرمدا في ريف إدلب الشمالي، أمس الأربعاء، مجرد حادث أمني عابر، بل أعاد إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات خطورة في مناطق شمال غرب سورية: مستودعات الأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب، ومواقع تخزينها المؤقت بالقرب من المناطق المأهولة.
وبحسب أحدث حصيلة رسمية، أسفر الانفجار الذي وقع في مخزن مؤقت مخصص لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قرب سرمدا عن مقتل 14 شخصاً وإصابة 11 آخرين، في حصيلة غير نهائية. وأعلنت وزارة الدفاع أن المخزن كان مخصصاً لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب قبل نقلها، مؤكدة أن التحقيقات مستمرة لمعرفة أسباب الحادث وملابساته، وأنها تتحمل المسؤولية الكاملة عنه.
وبينما كانت فرق الإنقاذ والدفاع المدني تعمل على انتشال الضحايا وتأمين الموقع والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، كان السؤال الأكبر يتردد بين الأهالي: إلى متى ستبقى مخلفات سنوات الحرب مخزنة بالقرب من الطرق والمنشآت والتجمعات المدنية؟
انفجار واحد.. وملف أكبر
تقول الوقائع الميدانية إن خطورة حادث سرمدا لا ترتبط فقط بحجم الانفجار والضحايا الذين سقطوا، وإنما بطبيعة الموقع والمواد الموجودة فيه.
فالمخزن كان يستخدم بصورة مؤقتة لجمع الأسلحة ومخلفات الحرب تمهيداً لنقلها، ما يعني أن عملية جمع الذخائر ونقلها والتعامل معها باتت بحد ذاتها جزءاً من التحدي الأمني والإنساني في المناطق التي خلفت الحرب فيها كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.
وأشارت تقارير عن الحادث إلى وقوع انفجارات ثانوية واندلاع حرائق في الموقع، بينما استمرت فرق الإنقاذ في التعامل مع الذخائر التي لم تنفجر، الأمر الذي زاد من صعوبة الوصول إلى الضحايا وتأمين المنطقة المحيطة.
عندما تتحول المخازن إلى مصدر خطر
تكمن المشكلة الأساسية في أن الذخائر ومخلفات الحرب لا تختفي بانتهاء المعارك. بعضها يبقى صالحاً للانفجار لسنوات طويلة، بينما تصبح بعض الذخائر أكثر خطورة مع مرور الزمن أو نتيجة سوء التخزين والرطوبة والحرارة والعوامل البيئية.
ولهذا، فإن جمعها في مواقع غير مناسبة أو قريبة من المدنيين يمكن أن يحول أي خلل إلى كارثة واسعة، خصوصاً عندما تكون الكميات كبيرة أو عندما يؤدي انفجار أول إلى انفجارات متتابعة.
وهذا ما يجعل اختيار موقع التخزين، وطريقة العزل، وإجراءات السلامة، وآليات النقل والتخلص النهائي عوامل لا تقل أهمية عن عملية جمع المخلفات نفسها.
سرمدا ليست الحادثة الأولى
ويأتي انفجار سرمدا بعد حادثة أخرى وقعت في محافظة إدلب خلال الفترة الأخيرة، ما يعزز المخاوف من استمرار مخاطر الذخائر ومخلفات الحرب في المنطقة.
وتشير وكالة فرانس برس إلى أن إدلب شهدت بين الحين والآخر انفجارات في مستودعات أسلحة أو مواقع تحتوي على ذخائر ومخلفات حرب، في انعكاس مباشر لتركة سنوات طويلة من النزاع المسلح.
وفي الأول من أيلول/سبتمبر، أدى انفجار مرتبط بمركبة محملة بالذخائر في ريف إدلب الشرقي إلى مقتل خمسة أشخاص على الأقل، وفق تقارير إعلامية، قبل أن يأتي انفجار سرمدا بعد أيام ليعيد المخاوف إلى الواجهة.
وتعني هذه الوقائع أن التعامل مع المخلفات الحربية لم يعد ملفاً مؤجلاً، بل أصبح قضية تتصل مباشرة بأمن السكان وسلامة الطرق والمنشآت والمناطق السكنية.
الطريق والمحال والمخيمات.. الخطر لا يبقى داخل المستودع
تكمن خطورة مواقع تخزين الذخائر في أن آثار أي انفجار لا تتوقف عند حدود المستودع. ففي حادث سرمدا، تسببت الانفجارات في أضرار بالمنشآت والسيارات المحيطة، كما وصلت الذخائر غير المنفجرة والحطام إلى مناطق قريبة من الطريق، ما استدعى إغلاق أجزاء منه وتأمين الموقع لمنع وقوع إصابات إضافية.
وهنا تتضاعف المخاطر في مناطق مكتظة بالسكان أو قريبة من الأسواق والمنشآت الصناعية والطرق الرئيسية ومخيمات النازحين.
فالمدني الذي يعمل في متجر أو ورشة قرب أحد هذه المواقع لا يملك بالضرورة معرفة بوجود خطر محتمل بالقرب منه، كما أن الأطفال والنازحين وسكان المناطق المحيطة هم الأكثر عرضة للتعامل غير المقصود مع أجسام مشبوهة أو ذخائر غير منفجرة.
الأهالي يطالبون: أبعدوا المستودعات عن السكان
أعاد الانفجار فتح مطالب محلية متكررة بضرورة نقل مستودعات الأسلحة والذخائر ومخلفات الحرب بعيداً عن التجمعات السكانية، ووضعها في مواقع مؤمنة ومعزولة، إلى حين نقل محتوياتها والتخلص منها بطريقة آمنة.
ولا يتعلق هذا المطلب بمنع عمليات جمع المخلفات، بل بتنظيمها وفق معايير تقلل الخطر على المدنيين.
فإذا كانت عملية جمع الذخائر ضرورة لا يمكن تأجيلها، فإن تخزينها بالقرب من المدنيين يخلق خطراً جديداً بدلاً من إزالة الخطر القديم.
من المسؤول عن إدارة تركة الحرب؟
تطرح الحادثة أيضاً سؤالاً أكبر: من يتحمل مسؤولية إدارة ملايين القطع من الذخائر والأسلحة ومخلفات الحرب التي خلفها النزاع؟
فالانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة الاستقرار لا يعني فقط ضبط السلاح الموجود في الشوارع أو المستودعات، وإنما يحتاج إلى خطة متكاملة لحصر الذخائر، وفرزها، وتأمينها، ونقلها، والتخلص منها، ومسح المناطق التي يُشتبه بوجود مخلفات حربية فيها.
وتحتاج هذه المهمة إلى كوادر متخصصة وتجهيزات مناسبة وإجراءات صارمة، لأن التعامل مع الذخائر غير المنفجرة ليس عملاً يمكن تنفيذه بالوسائل التقليدية أو من دون خبرة فنية.
مسؤولية لا تحتمل التأجيل
إن انفجار سرمدا، بحصيلته الثقيلة، يقدم تذكيراً جديداً بأن مخلفات الحرب يمكن أن تستمر في حصد الأرواح حتى بعد توقف المعارك.
وإذا كان إنهاء الحرب يمثل الخطوة الأولى نحو الاستقرار، فإن إزالة آثارها المادية تمثل خطوة لا تقل أهمية. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بينما تبقى الذخائر في المستودعات أو تحت الأنقاض أو في الأراضي الزراعية أو بالقرب من التجمعات السكانية.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى وضع خطة وطنية واضحة للتعامل مع مخلفات الحرب، تتضمن تحديد مواقع التخزين الآمن، وإبعادها عن المناطق المأهولة، وتسريع عمليات المسح والإزالة، إلى جانب إطلاق حملات توعية للسكان حول مخاطر الاقتراب من الأجسام المشبوهة والذخائر غير المنفجرة.
سرمدا.. جرس إنذار
لا ينبغي أن ينتهي ملف انفجار سرمدا عند إعلان حصيلة الضحايا أو انتهاء عمليات الإطفاء والإنقاذ.
فالضحايا الذين سقطوا في الموقع يفتحون ملفاً أوسع يتعلق بكيفية إدارة مخلفات الحرب في مرحلة ما بعد النزاع، وكيفية ضمان ألا تتحول المستودعات المؤقتة إلى قنابل موقوتة داخل المناطق المدنية.
وبينما لا تزال الجهات المختصة تحقق في أسباب انفجار سرمدا، فإن الرسالة الأوضح التي حملها الحادث تبدو في مكان آخر: الذخائر القديمة لا تصبح أقل خطراً لأنها خرجت من ساحة المعركة، والمخزن المؤقت لا يصبح آمناً لمجرد أنه مؤقت.
إن نقل هذه المواد بعيداً عن المدنيين وتأمينها وفق شروط صارمة، إلى جانب التخلص التدريجي منها، لم يعد ترفاً أو مطلباً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة لحماية حياة السكان وتهيئة بيئة أكثر أمناً في شمال غرب سوريا.