لا تكمن المشكلة الاقتصادية في مجرد ارتفاع أو انخفاض سعر الصرف، بقدر ما تكمن في التذبذب المستمر وعدم القدرة على التنبؤ بمساره، وهو ما يترك انعكاسات مباشرة على مختلف حلقات النشاط الاقتصادي، من المنتج والمستورد إلى التاجر والمستهلك، ويجعل القرارات المتعلقة بالتسعير والإنتاج والاستيراد والاستثمار أكثر صعوبة.
ففي الأسواق، لا يحتاج المتعاملون بالضرورة إلى سعر صرف منخفض بقدر حاجتهم إلى سعر مستقر يمكن التنبؤ به، لأن الاستقرار النسبي للعملة يشكل عاملاً أساسياً في تحديد الكلفة، ووضع خطط الإنتاج، وتقدير الأرباح والخسائر، واتخاذ القرارات الاستثمارية.
التذبذب يرفع درجة المخاطرة
عندما يتحرك سعر الصرف بصورة متسارعة ومتكررة، تصبح عملية احتساب الكلفة أكثر تعقيداً، ولا سيما بالنسبة للقطاعات التي تعتمد على مستلزمات إنتاج أو مواد أولية مستوردة.
فالمستورد الذي يبرم صفقة اليوم قد يجد نفسه أمام تكلفة مختلفة عند وصول البضاعة أو تسديد قيمتها، بينما يواجه المنتج صعوبة في تحديد سعر منتجاته النهائية في ظل تغير كلفة المواد والطاقة والنقل.
أما التاجر، فيجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ إذ إن تسعير البضائع على أساس سعر الصرف الحالي قد لا يوفر له القدرة على شراء الكميات نفسها لاحقاً، في حين أن رفع الأسعار تحسباً لتقلبات مستقبلية يضعف القدرة الشرائية للمستهلك ويزيد الضغوط التضخمية.
المستهلك الحلقة الأضعف
ينعكس اضطراب سعر الصرف في نهاية المطاف على المستهلك، الذي يجد نفسه أمام أسعار متغيرة وصعوبة في معرفة السعر العادل للسلع والخدمات.
ولا يقتصر أثر ذلك على السلع المستوردة بشكل مباشر، إذ يمكن أن تنتقل آثار تغير سعر الصرف إلى المنتجات المحلية من خلال ارتفاع كلفة المواد الأولية وقطع الغيار والطاقة والنقل وغيرها من مدخلات الإنتاج.
وبالتالي، فإن استمرار حالة عدم اليقين قد يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية، وتأجيل بعض قرارات الشراء، وزيادة الميل إلى الاحتفاظ بالسيولة أو تحويل المدخرات إلى أصول يُنظر إليها باعتبارها أكثر قدرة على حفظ القيمة.
الاستثمار يحتاج إلى وضوح
يُعد الاستثمار من أكثر القطاعات تأثراً بعدم استقرار سعر الصرف، لأن المستثمر يحتاج قبل اتخاذ قراره إلى تقدير التكاليف والإيرادات والتدفقات النقدية لفترة زمنية تمتد لسنوات.
وفي بيئة شديدة التقلب، تصبح حسابات الجدوى الاقتصادية أكثر صعوبة، وترتفع المخاطر المرتبطة بأي مشروع يعتمد على الاستيراد أو يتطلب تمويلاً طويل الأجل.
كما أن حالة عدم اليقين قد تدفع بعض المستثمرين إلى تأجيل مشاريعهم بانتظار اتضاح اتجاهات السوق، الأمر الذي ينعكس على الإنتاج وفرص العمل والنمو الاقتصادي.
بين الاستقرار والسعر العادل
ومن هنا، فإن معالجة مشكلة سعر الصرف لا ينبغي أن تقتصر على استهداف رقم معين للسعر، وإنما على تقليص حدة التقلبات وتعزيز القدرة على التنبؤ، إلى جانب معالجة العوامل الاقتصادية التي تؤثر في سوق القطع.
فاستقرار سعر الصرف لا يتحقق بقرار إداري منفرد، بل يحتاج إلى مجموعة متكاملة من السياسات النقدية والمالية والإنتاجية والتجارية، إضافة إلى تعزيز الثقة بالاقتصاد وتوفير بيئة أكثر وضوحاً للمتعاملين.
كما أن زيادة الإنتاج المحلي وتحسين القدرة التصديرية وتوفير بيئة استثمارية مستقرة يمكن أن تسهم في دعم مصادر القطع الأجنبي وتقليل الضغوط على سعر الصرف على المدى المتوسط والطويل.
الاستقرار مفتاح القرارات الاقتصادية
في المحصلة، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الأسواق لا يرتبط فقط بمستوى سعر الصرف، وإنما بدرجة عدم اليقين المحيطة به.
فكلما أصبح مسار سعر الصرف أكثر وضوحاً واستقراراً، تمكن المنتج من التخطيط للإنتاج، والمستورد من حساب تكاليفه، والتاجر من تسعير منتجاته بصورة أكثر دقة، والمستهلك من اتخاذ قراراته على أساس أكثر استقراراً.
وبذلك، فإن الوصول إلى سوق صرف أكثر استقراراً لا يمثل هدفاً نقدياً فحسب، بل يشكل شرطاً أساسياً لاستعادة الثقة بالنشاط الاقتصادي، وتحفيز الاستثمار، ودعم الإنتاج، والحد من الاضطرابات السعرية التي تتحمل الأسر والشركات تكلفتها في نهاية المطاف.