العودة إلى المدارس.. فاتورة جديدة تثقل كاهل الأسرة السورية
ارتفاع أسعار القرطاسية والحقائب واللباس المدرسي يحوّل الاستعداد للعام الدراسي إلى عبء اقتصادي متزايد
مع انطلاق العام الدراسي 2026–2027 في سوريا، عادت حركة الأسواق والمكتبات إلى الواجهة، لكن العودة هذه المرة لا ترتبط فقط بفرحة الطلاب بالمدرسة ولقاء زملائهم، بل تحمل معها فاتورة إضافية باتت تشكل تحدياً حقيقياً أمام كثير من الأسر، في ظل ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية وتراجع القدرة الشرائية.
وبدأت المدارس الحكومية والخاصة في سوريا عامها الدراسي الجديد يوم الأحد 6 أيلول، وفق الموعد الذي حددته وزارة التربية والتعليم، فيما سبقت ذلك أسابيع من استعدادات الأسر لتأمين الحقائب والدفاتر والقرطاسية والملابس والأحذية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
مستلزمات كثيرة.. ودخل محدود
لم تعد تكلفة المدرسة تقتصر على شراء عدد من الدفاتر والأقلام كما كان الحال في السابق، إذ أصبحت قائمة الاحتياجات أكثر اتساعاً، وتشمل الحقيبة المدرسية، والزي والحذاء، والدفاتر، والأقلام، والألوان، والأدوات الهندسية، ومواد الرسم وغيرها، بحسب المرحلة الدراسية.
وتشير تقارير محلية حديثة إلى ارتفاع أسعار عدد من المستلزمات مقارنة بالعام الماضي، مع تسجيل زيادات كبيرة في بعض الأصناف. ونقلت صحيفة «الوطن» عن أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حبزة أن أسعار الحقائب ارتفعت بنحو 100% كحد أدنى، بينما زادت أسعار اللباس المدرسي بأكثر من 50%، والقرطاسية بنسب تراوحت بين 25 و30%.
وفي تقديرات أخرى، تتراوح تكلفة تجهيز طالب في المرحلة الابتدائية، وفق نوعية المستلزمات، بين نحو 6,500 ليرة سورية جديدة وقد تتجاوز 10 آلاف ليرة، بينما ترتفع التكلفة في المرحلتين الإعدادية والثانوية نتيجة زيادة عدد المواد والدفاتر والأدوات المطلوبة.
وهذه الأرقام، وإن كانت تختلف بين محافظة وأخرى وبين متجر وآخر، تعكس حجم الفاتورة التي تواجه الأسرة، خصوصاً عندما تضم أكثر من طالب.
الأسرة أمام معادلة صعبة
بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل، لا تبدو المشكلة في ارتفاع سعر سلعة واحدة، وإنما في تراكم عشرات النفقات الصغيرة التي تتحول عند جمعها إلى مبلغ يصعب تأمينه دفعة واحدة.
فشراء حقيبة وحذاء وملابس مدرسية وكمية كافية من الدفاتر والأقلام قد يستنزف جزءاً مهماً من دخل الأسرة، فيما تتزامن هذه النفقات مع أعباء أخرى تتعلق بالغذاء والسكن والنقل والخدمات.
وتزداد الضغوط على الأسر التي لديها طفلان أو ثلاثة أو أكثر في سن المدرسة، إذ تتضاعف قيمة المستلزمات تقريباً مع كل طالب جديد، بينما لا يرافق ذلك ارتفاع مماثل في دخل الأسرة.
وفي هذا السياق، باتت بعض العائلات تلجأ إلى شراء المستلزمات على مراحل، أو الاكتفاء بالضروري وتأجيل بعض المشتريات إلى وقت لاحق، فيما تختار أسر أخرى المنتجات الأقل سعراً حتى لو كانت أقل جودة.
الجودة تتراجع أمام السعر
أحد أبرز الآثار الاجتماعية لارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية يتمثل في اضطرار بعض الأسر إلى التخلي عن المنتجات ذات الجودة الأفضل لصالح خيارات أرخص.
وبحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية عن جمعية حماية المستهلك، فإن ارتفاع الأسعار دفع بعض العائلات محدودة الدخل إلى شراء أنواع شعبية أو أقل جودة من المستلزمات لتخفيف النفقات، ولا سيما الأسر التي لديها أكثر من طالب.
وهنا لا يعود الاختيار مرتبطاً برغبة الطفل في حقيبة معينة أو نوع محدد من الأدوات، وإنما بقدرة الأسرة على دفع ثمنها.
تفاوت بين المناطق والأسواق
ولا تبدو أسعار المستلزمات المدرسية موحدة في مختلف المناطق السورية، إذ تتفاوت بحسب المحافظة ومكان البيع والجودة والمنشأ، إضافة إلى اختلاف أسعار الجملة والتجزئة.
وفي منطقة الجزيرة، على سبيل المثال، أظهرت جولة ميدانية حديثة في مكتبات بمدينة قامشلو تفاوتاً واضحاً في أسعار الدفاتر والقرطاسية، مع تأكيد أصحاب المكتبات أن الأسعار غير مستقرة وقد تتغير خلال فترات قصيرة.
ويجعل هذا التفاوت مهمة الأسرة أكثر صعوبة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى مقارنة الأسعار والبحث عن العروض الأقل كلفة قبل اتخاذ قرار الشراء.
محاولات لتخفيف العبء
وفي المقابل، شهدت بعض الفعاليات والمعارض المخصصة للقرطاسية واللوازم المدرسية عروضاً تهدف إلى توفير خيارات متعددة أمام الأسر.
وفي الدورة الـ63 من معرض دمشق الدولي، خصصت أجنحة لبيع القرطاسية واللوازم المدرسية، مع تفاوت في الأسعار والجودة. وأفادت وكالة «سانا» بأن أسعار بعض الحقائب في المعرض تراوحت بين 900 و2500 ليرة سورية جديدة، مقابل نحو 3000 إلى 4000 ليرة خارج المعرض وفق الرصد الذي أوردته.
ورغم أهمية هذه المبادرات، تبقى الحاجة قائمة إلى حلول أوسع وأكثر استدامة، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر الأشد احتياجاً.
التعليم بين الحق في المدرسة وكلفة الوصول إليها
تكشف فاتورة العودة إلى المدارس عن جانب أوسع من المشكلة الاقتصادية؛ فارتفاع تكاليف المستلزمات قد يؤثر في قدرة بعض الأسر على تأمين جميع احتياجات أبنائها، وقد يدفعها إلى تقليص الإنفاق على بعض الجوانب التعليمية أو تأجيلها.
ومن هنا، لا تبدو معالجة ارتفاع أسعار القرطاسية مسألة تجارية فقط، بل قضية اجتماعية مرتبطة بإتاحة التعليم والحفاظ على قدرة الأسر على إرسال أبنائها إلى المدارس دون أن تتحول بداية العام الدراسي إلى أزمة مالية جديدة.
ومع استمرار الضغوط المعيشية، يبقى ضبط الأسواق، وتوسيع المبادرات منخفضة التكلفة، ودعم الأسر الأكثر احتياجاً، وتشجيع إعادة استخدام المستلزمات الصالحة، من الإجراءات التي يمكن أن تخفف جزءاً من فاتورة العودة إلى المدارس.
فالعام الدراسي الجديد يجب ألا يبدأ بمنافسة بين الأسرة واحتياجات أطفالها، بل بفرصة متساوية أمام الطلاب للعودة إلى مقاعد الدراسة، بغض النظر عن قدرة أسرهم على تحمل ارتفاع تكاليف المستلزمات.