اكتفاء ذاتي على الورق.. أين ذهبت سيولة القمح؟
2.75 مليون طن دخلت مخازن الدولة، بينما لا تزال مستحقات مزارعين عالقة.. وتأخير الدفع يهدد بتمويل الموسم التالي
بينما تحتفل الحكومة السورية بإعلان تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح وتسلم نحو 2.75 مليون طن خلال موسم 2026، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية عن حجم الإنتاج نفسه: هل اكتملت دورة القمح فعلاً عندما وصل المحصول إلى صوامع الدولة، أم أنها ستكتمل فقط عندما تصل أموال هذا المحصول إلى أيدي المزارعين؟
فالأرقام الحكومية تبدو لافتة للوهلة الأولى. المؤسسة السورية للحبوب أعلنت تسلم نحو 2.75 مليون طن، مقابل احتياج محلي مقدر بنحو 2.55 مليون طن، أي بفائض يقارب 200 ألف طن، وهو ما اعتبرته الجهات الرسمية خطوة باتجاه تعزيز المخزون الاستراتيجي وتأمين إنتاج الخبز.
لكن خلف هذا الرقم الكبير توجد مشكلة مالية لا يمكن تجاهلها: مزارعون سلّموا محصولهم، ولم يحصلوا على كامل قيمته في الوقت الذي كان يفترض أن تبدأ فيه دورة زراعية جديدة.
محصول سُلّم.. وأموال مؤجلة
حددت وزارة الاقتصاد والصناعة سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى بـ46 ألف ليرة سورية جديدة، قبل أن يضيف المرسوم الرئاسي مكافأة تشجيعية قدرها 9 آلاف ليرة لكل طن مسلّم إلى المؤسسة السورية للحبوب، ليصبح السعر الاسمي 55 ألف ليرة للطن.
وبالحساب النظري، فإن شراء 2.75 مليون طن بهذا السعر يعني كتلة مالية تقارب 151.25 مليار ليرة سورية جديدة.
وهنا يظهر السؤال الاقتصادي الأهم: إذا كانت الدولة قد أعلنت منذ بداية الموسم عن سعر الشراء وآلية الدعم، فلماذا لم تكن السيولة اللازمة للدفع مؤمّنة بالتوازي مع استلام المحصول؟
المشكلة لا تتعلق بمجرد تأخير إداري. بالنسبة للمزارع، ثمن القمح ليس رقماً في فاتورة، وإنما هو رأس المال الذي ينتقل من موسم إلى آخر.
يدفع المزارع أجور الحصاد والنقل والحراثة والري والأسمدة والبذار والعمال، وغالباً ما يتحمل جزءاً من هذه التكاليف بالدين، على أمل تسديدها فور بيع المحصول.
وعندما يتأخر ثمن القمح، فإن المزارع لا ينتظر في فراغ، بل يدخل مباشرة في دائرة ديون جديدة.
«لا توجد سيولة».. لكن أين ذهبت الموازنة؟
في 12 آب الماضي، أصدر المصرف الزراعي التعاوني تعميماً أشار فيه إلى عدم توفر السيولة اللازمة من مصرف سوريا المركزي لصرف كامل قيم الحبوب، ولذلك تقرر تحويل 25% من صافي المستحقات عبر «شام كاش»، على أن تصرف النسبة المتبقية وفق الآلية المعتمدة.
هذه النقطة تحديداً تستحق إجابة حكومية واضحة.
فالسؤال ليس بالضرورة: «أين اختفت الأموال؟»، إذ لا توجد حتى الآن بيانات منشورة تثبت أن الأموال اختفت أو جرى تحويلها إلى بند آخر.
لكن السؤال؛ أين رُصدت الاعتمادات المالية المخصصة لشراء القمح؟ وكم بلغت فعلياً؟ وكم دُفع منها حتى الآن؟ وكم بقي مستحقاً للمزارعين؟ وهل كانت الاعتمادات مرصودة نقداً منذ بداية الموسم، أم أن الحكومة اعتمدت على تدفقات مالية لاحقة؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً بعدما أعلنت المؤسسة السورية للحبوب أن الموسم انتهى بتسلم 2.75 مليون طن.
فالبيانات المنشورة حديثاً لا تقدم حتى الآن كشفاً مالياً تفصيلياً يوضح إجمالي قيمة المشتريات، والمدفوع فعلياً، والمتبقي، وجدول استكمال الدفع. وحتى تقرير حديث حول المستحقات أشار إلى عدم توافر بيانات مالية نهائية حول إجمالي ما صُرف وما بقي بذمة الجهات المعنية.
عندما يتحول القمح إلى مشكلة للذرة
الأكثر خطورة أن المشكلة لا تتوقف عند محصول القمح.
في الدورة الزراعية السورية، لا يعيش كل محصول منفصلاً عن الآخر. فالمزارع الذي يحصد القمح في الصيف يحتاج إلى الأموال الناتجة عنه لتمويل زراعة محاصيل أخرى، وفي مقدمتها الذرة الصفراء في المناطق التي تعتمد عليها.
لكن هذا العام وجد بعض المزارعين أنفسهم أمام معادلة صعبة:
قمح سُلّم للدولة، أموال مؤجلة، وموسم جديد يحتاج إلى بذار وأسمدة ومحروقات وري وأجور.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن تكلفة زراعة الدونم الواحد من الذرة الصفراء في الرقة وصلت إلى نحو 185 دولاراً، مقابل نحو 100 دولار في العام الماضي، وسط ارتفاع كبير في أسعار الأسمدة والبذار والمحروقات وغيرها من مستلزمات الإنتاج. كما ارتبط التأخير في مستحقات القمح باضطرار مزارعين إلى اللجوء للدين لتأمين احتياجات الموسم الجديد.
وهنا يتحول تأخير صرف القمح من مشكلة مالية تخص محصولاً انتهى حصاده إلى مشكلة تهدد محصولاً جديداً لم يبدأ إنتاجه بعد.
الفلاح بين إنجاز الدولة وكلفة الانتظار
لا يمكن إنكار أهمية وصول إنتاج القمح إلى 2.75 مليون طن، خصوصاً أن سوريا عانت خلال سنوات من تراجع الإنتاج بفعل الجفاف والظروف المناخية والاضطرابات التي أثرت في المناطق الزراعية.
كما أن توفير فائض عن الاحتياج المحلي يمثل نقطة إيجابية في ملف الأمن الغذائي، ويخفف الحاجة إلى الاستيراد.
لكن الأمن الغذائي لا يقاس فقط بعدد الأطنان الموجودة في الصوامع.
الأمن الغذائي يبدأ من قدرة المزارع على الاستمرار في زراعة أرضه.
وإذا اضطر المزارع إلى بيع جزء من أرضه أو الاستدانة لشراء بذار الموسم التالي بسبب عدم حصوله على قيمة المحصول السابق، فإن تحقيق فائض لموسم واحد قد يتحول إلى مشكلة في الموسم اللاحق.
«25% الآن.. والباقي لاحقاً» لا تكفي
قد يكون تحويل جزء من المستحقات عبر «شام كاش» حلاً مؤقتاً في ظل أزمة السيولة، لكنه لا يحل المشكلة من جذورها.
المزارع لا يحتاج فقط إلى معرفة أن أمواله «ستصل لاحقاً»، بل يحتاج إلى معرفة متى؟
فالفاتورة المؤجلة قد تعني بالنسبة للمزارع فوائد ديون إضافية، وتأخير شراء البذار، وعدم القدرة على دفع أجور العمال، وربما اللجوء إلى التجار للحصول على مستلزمات الإنتاج بالدين.
وقد أظهرت شكاوى من الحسكة ومناطق أخرى أن التأخير بات مصدر استياء، فيما أعلنت الجهات الرسمية أن الصرف يجري تباعاً بحسب القوائم والسيولة المتاحة.
المطلوب.. كشف حساب لا بيان إنجاز
بعد إعلان تحقيق الاكتفاء الذاتي، ربما حان الوقت لانتقال الخطاب الرسمي من الاحتفال بحجم الإنتاج إلى كشف حساب الموسم.
وأخيراً، كيف ستمنع الحكومة تكرار الأزمة في الموسم المقبل؟
فالمزارع الذي أنتج 2.75 مليون طن من القمح لا ينبغي أن يتحول بعد نجاح موسم الحصاد إلى الحلقة الأضعف في دورة تمويل الزراعة.
الاكتفاء الحقيقي يبدأ من جيب المزارع
قد يكون إعلان الاكتفاء الذاتي من القمح إنجازاً مهماً، لكن الإنجاز لا يكتمل بمجرد تخزين الحبوب.
الدولة تحتاج إلى القمح، والقمح يحتاج إلى المزارع، والمزارع يحتاج إلى سيولة في موعدها.
وإذا كان تأخير الدفع سيحرم المزارع من تمويل زراعة الذرة الصفراء أو غيرها من المحاصيل، فإن السؤال لن يعود فقط: كم طناً من القمح خزّنت سوريا؟