لكل السوريين

“مبادرة بذرة”.. تمكين المرأة الريفية يفتح طريقاً جديداً للاستقلال الاقتصادي في سوريا

520 امرأة مستهدفة بالتدريب ودعم المشاريع الصغيرة.. ومراكز إنتاج تقودها النساء لتحويل الموارد الزراعية إلى فرص عمل

في وقت تواجه فيه النساء في الريف السوري تحديات اقتصادية متزايدة، تتجه مبادرات التنمية إلى منحهن مساحة أكبر للمشاركة في الإنتاج وصنع الدخل، بعيداً عن الاكتفاء بدور المستفيد من المساعدات. وفي هذا السياق، أُطلقت في دمشق «مبادرة بذرة» للتمكين الاقتصادي للمرأة الريفية في سوريا، بدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وتنفيذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبالشراكة مع وزارة الزراعة السورية.

ويستهدف المشروع، الذي تبلغ قيمته 1.5 مليون دولار وتصل مدته إلى 18 شهراً، 520 امرأة من الفئات الأكثر هشاشة بشكل مباشر، إلى جانب استفادة غير مباشرة لنحو 285 ألف شخص، وفق بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. ويركز المشروع على التدريب المهني، ودعم المشاريع الصغيرة، وتوفير المعدات الإنتاجية، وربط النساء بالأسواق، بما يتيح لهن تطوير مصادر دخل أكثر استدامة.

من المساعدة إلى الاستقلال الاقتصادي

لا تتوقف أهمية المشروع عند توفير التدريب أو المعدات، إذ تبرز في صلبه فكرة تعزيز قدرة المرأة الريفية على امتلاك أدوات الإنتاج والوصول إلى السوق. فالمرأة التي تنتج المواد الغذائية أو تعمل في الزراعة وتربية النحل أو المواشي، تحتاج إلى منظومة متكاملة تساعدها على تحويل مهارتها إلى دخل منتظم.

ومن هذا المنطلق، يتضمن المشروع برامج لتطوير مهارات النساء في سلامة الغذاء، وإدارة الأعمال، والتسويق، وضمان الجودة، والزراعة المستدامة، وتربية النحل والأغنام، إلى جانب توفير أدوات إنتاجية تساعدهن على بدء أو تطوير أعمالهن.

ومن المتوقع أن يستفيد 440 امرأة ريفية من برامج التدريب، فيما تستهدف المبادرة بصورة مباشرة 520 امرأة من الفئات الهشة، ضمن رؤية تسعى إلى تعزيز حضور النساء في النشاط الاقتصادي المحلي.

أربعة مراكز إنتاج بأيدٍ نسائية

وتتضمن المبادرة إعادة تأهيل وتجهيز أربعة مراكز إنتاج مجتمعية تديرها نساء في الزبداني والحجيرة بريف دمشق، ومنطقة الغاب في حماة، والصفصافة في طرطوس.

وتحمل هذه المراكز بعداً يتجاوز توفير مكان للإنتاج، إذ يفترض أن تشكل مساحة عملية تجمع بين التدريب والتصنيع والتسويق، وتتيح للنساء الاستفادة من الموارد الزراعية المتوافرة في مناطقهن وتحويلها إلى منتجات قابلة للبيع.

ويضم كل مركز أربع وحدات لتصنيع الأغذية، ووحدتين لإنتاج السماد العضوي، إلى جانب أنظمة للطاقة المتجددة، فيما يتضمن مركز الغاب وحدة للخدمات البيطرية. كما تشمل الخطة أكشاكاً في الأسواق ونقاط بيع محلية بهدف تسهيل وصول المنتجات إلى المستهلكين.

وبحسب تقديرات المشروع، يمكن أن تحقق وحدات تصنيع الأغذية إيرادات سنوية تقارب 260 ألف دولار من منتجات تشمل الفواكه المجففة والمربيات والمخللات ومنتجات الألبان والخضار المحفوظة، فيما يُتوقع أن تحقق وحدات السماد العضوي نحو 13 ألف دولار سنوياً من منتجات مختلفة.

المرأة الريفية.. منتجة لا مستفيدة فقط

تكتسب المبادرة أهميتها من كونها تتعامل مع المرأة الريفية باعتبارها جزءاً من الحل الاقتصادي، وليس مجرد فئة تحتاج إلى الدعم. فالمرأة في المناطق الريفية السورية لطالما ارتبط عملها بالزراعة وتربية الحيوانات وتصنيع المنتجات الغذائية المنزلية، إلا أن جزءاً كبيراً من هذا العمل بقي خارج الاقتصاد الرسمي أو محدود العائد بسبب ضعف التمويل وصعوبة الوصول إلى الأسواق.

ومن هنا، فإن تحويل الإنتاج المنزلي أو الزراعي إلى مشروع قابل للاستمرار يمكن أن يمنح النساء فرصة أكبر للتحكم بدخلهن والمساهمة في إعالة أسرهن، كما يمكن أن يوسع مشاركتهن في الاقتصاد المحلي.

وفي هذا السياق، أكد معاون وزير الزراعة للسياسات والتنمية الريفية محمد المقداد أن المشروع يهدف إلى تعزيز مساهمة المرأة الريفية في النشاط الاقتصادي، والانتقال بها من موقع المستفيدة من المساعدات إلى شريكة فاعلة في التنمية.

الاستدامة.. التحدي الأهم

ويبقى نجاح أي مشروع للتمكين الاقتصادي مرتبطاً بقدرته على الاستمرار بعد انتهاء التمويل. ولهذا صُممت مراكز الإنتاج الأربعة، بحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بحيث تواصل العمل بعد انتهاء مدة المشروع.

وتوفر وزارة الزراعة المباني المخصصة لهذه المراكز لمدة تبدأ من ثلاث سنوات ويمكن تمديدها، مع احتفاظها بملكية المباني والمعدات، بينما تتولى جمعيات نسائية محلية إدارة المراكز وفق اتفاقيات رسمية.

كما يُفترض أن يعاد استثمار جزء من الإيرادات في التشغيل والصيانة والأنشطة المجتمعية، بما يخفف الاعتماد على التمويل الخارجي ويمنح المراكز فرصة للتحول إلى مشاريع إنتاجية مستمرة.

فرص اقتصادية ومسؤوليات جديدة

وترى مديرة إدارة دعم المجتمع في مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الدكتورة جواهر المهنا، أن تمكين المرأة يمثل محوراً أساسياً في التنمية المستدامة وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، مشيرة إلى أن المبادرة تهدف إلى مساعدة النساء في تحويل إمكاناتهن الزراعية إلى مشاريع اقتصادية أكثر استدامة.

وبين التدريب والإنتاج والتسويق، تحاول «مبادرة بذرة» بناء سلسلة اقتصادية تبدأ من مهارة المرأة الريفية وتنتهي بمنتج يصل إلى السوق. إلا أن نجاح هذه السلسلة سيبقى مرتبطاً بقدرة النساء على الوصول الفعلي إلى الأسواق، واستقرار الطلب، وتوافر التمويل، واستمرار الدعم الفني والإداري.

وفي المحصلة، فإن الرهان الأساسي للمشروع لا يكمن فقط في عدد النساء اللواتي سيحصلن على تدريب أو معدات، وإنما في عدد النساء اللواتي سيتمكنّ بعد ذلك من امتلاك مصدر دخل مستقر، وإدارة مشروعهن، واتخاذ قرارهن الاقتصادي بصورة أكثر استقلالاً.

فحين تتحول مهارة المرأة الريفية من عمل غير مرئي داخل المنزل أو المزرعة إلى مشروع منتج يصل إلى السوق، يصبح التمكين الاقتصادي أكثر من برنامج تدريبي؛ ويغدو خطوة باتجاه حضور نسائي أكبر في الاقتصاد المحلي والتنمية الريفية في سوريا.

- Advertisement -

- Advertisement -