لكل السوريين

من مطبخ البيت إلى مصدر دخل.. سوريات يحوّلن الأزمة إلى فرص عمل

لم تعد المشاريع المنزلية بالنسبة إلى كثير من النساء السوريات مجرد وسيلة لتمضية الوقت أو ممارسة هواية قديمة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مصدر دخل أساسي، ونافذة للوقوف في وجه ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل.

فمع اتساع الأعباء التي تتحملها الأسر، بدأت نساء كثيرات البحث عن أعمال يمكن تنفيذها من داخل المنزل، مستفيدات من مهارات يمتلكنها أو خبرات اكتسبنها من أمهاتهن وجداتهن. وبين إعداد الطعام وصناعة الحلويات والخياطة والحياكة وإنتاج الألبان والمربيات، ظهرت مشاريع صغيرة استطاعت بعض صاحباتها تطويرها وتحويلها إلى مصدر رزق مستمر.

مشروع يبدأ بإمكانات محدودة

تقول إحدى السيدات التي بدأت بإعداد المأكولات المنزلية وبيعها إن الفكرة لم تكن مخططة في البداية، وإنما جاءت نتيجة الحاجة إلى تأمين دخل إضافي للأسرة.

وتوضح أن البداية اقتصرت على كميات محدودة تُحضّر في المنزل وتُعرض على الأقارب والجيران، قبل أن يتوسع نطاق الطلب تدريجياً من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

وتضيف: «في البداية كنت أعمل حسب الطلب، ولم أكن أتوقع أن يتحول الأمر إلى مصدر دخل ثابت، لكن مع مرور الوقت أصبح لدي زبائن دائمون».

وتشير إلى أن العمل من المنزل منحها فرصة للجمع بين مسؤوليات الأسرة والعمل، رغم أن ساعات العمل الفعلية أصبحت طويلة، ولا سيما في المواسم التي يزداد فيها الطلب.

مهارات قديمة تجد طريقها إلى السوق

وفي منازل أخرى، عادت مهن وحرف تقليدية إلى الواجهة بعدما وجدت طريقها إلى المستهلك عبر الإنترنت.

الخياطة والحياكة والتطريز وصناعة الإكسسوارات والمشغولات اليدوية لم تعد أعمالاً فردية تُنجز للاستخدام الشخصي فقط، إذ تحولت لدى بعض النساء إلى مشاريع تجارية صغيرة.

وتروي سيدة خمسينية أنها بدأت بالحياكة منذ سنوات طويلة، لكنها لم تفكر في بيع منتجاتها إلا بعد تزايد الضغوط المعيشية.

وتقول إن شراء المواد الأولية كان التحدي الأول، ثم جاءت مشكلة التسويق، قبل أن يساعدها نشر صور منتجاتها على وسائل التواصل الاجتماعي في الوصول إلى زبائن من خارج محيطها.

وتؤكد أن «المهارة وحدها لا تكفي»، فنجاح المشروع يحتاج إلى جودة في المنتج، وأسعار مقبولة، والقدرة على الالتزام بالمواعيد والتعامل مع الزبائن.

الجامعة والعمل في وقت واحد

حتى الطالبات الجامعيات دخلن على خط المشاريع الصغيرة، مستفيدات من الوقت المتاح والمهارات التي يمتلكنها.

إحدى الطالبات اختارت صناعة الحلويات والمربيات المنزلية، وبدأت ببيع كميات محدودة للأصدقاء والمعارف، قبل أن تستخدم منصات التواصل الاجتماعي للترويج لمنتجاتها.

وتقول إن المشروع ساعدها على تأمين جزء من مصاريفها الشخصية، كما منحها خبرة في التعامل مع الزبائن والتسويق وإدارة المال.

وتضيف أن العمل إلى جانب الدراسة ليس سهلاً، لكنه بالنسبة إليها أفضل من انتظار فرصة عمل قد لا تأتي، معتبرة أن المشروع الصغير يمكن أن يكون «بداية حقيقية لمستقبل مهني أوسع».

الأرامل أمام مسؤولية مضاعفة

وتحظى المشاريع المنزلية بأهمية خاصة لدى النساء اللواتي أصبحن المعيلات الرئيسيات لأسرهن.

فبعد فقدان الزوج أو عجزه عن العمل، تجد بعض النساء أنفسهن أمام مسؤولية تأمين احتياجات الأطفال في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

إحدى الأرامل بدأت بصناعة منتجات غذائية منزلية، ثم وسعت نشاطها تدريجياً بمساعدة أفراد عائلتها.

وتقول إن العمل لم يوفر لها دخلاً فحسب، بل ساعدها أيضاً على استعادة الثقة بالنفس بعد مرحلة صعبة، مشيرة إلى أن «المرأة عندما تجد نفسها قادرة على إعالة أطفالها، تشعر بأنها أقوى في مواجهة الظروف».

من مشروع فردي إلى فرصة لنساء أخريات

نجاح بعض المشاريع لم يتوقف عند صاحباتها، إذ تحولت مشاريع منزلية محدودة إلى ورش صغيرة توفر فرصاً لنساء أخريات.

إحدى العاملات في مجال الحياكة بدأت بمفردها، قبل أن يزداد عدد الطلبات وتستعين بنساء من محيطها لإنجازها.

وبذلك انتقل المشروع من مصدر دخل لعائلة واحدة إلى مساحة عمل مصغرة تستفيد منها عدة أسر.

ويرى متابعون أن هذا النوع من المشاريع يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في الاقتصاد المحلي، خصوصاً عندما يعتمد على مواد متوافرة محلياً ويستفيد من المهارات الموجودة داخل المجتمع.

التسويق الرقمي يفتح أبواباً جديدة

لم تعد صاحبة المشروع بحاجة إلى متجر أو محل لعرض منتجاتها. فالهاتف المحمول أصبح في كثير من الحالات واجهة المشروع وسوقه في الوقت نفسه.

وتعتمد نساء على صفحات التواصل الاجتماعي لنشر صور المنتجات واستقبال الطلبات والتواصل مع الزبائن، فيما تلجأ أخريات إلى مجموعات البيع المحلية للوصول إلى شريحة أكبر من المستهلكين.

لكن هذا المجال يفرض تحديات جديدة، أبرزها المنافسة الكبيرة، وارتفاع أسعار المواد الأولية، وتكاليف التوصيل، إضافة إلى ضرورة الحفاظ على جودة المنتج وبناء ثقة دائمة مع الزبائن.

تمويل وتدريب بدل الاكتفاء بالتشجيع

ويرى اقتصاديون أن انتشار المشاريع النسائية الصغيرة يعكس قدرة الأسر على التكيف مع الظروف الاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن حاجة حقيقية إلى برامج دعم أكثر تنظيماً.

ويحتاج أصحاب المشاريع الصغيرة، ولا سيما النساء، إلى تمويل ميسر، وتدريب في الإدارة والتسويق والتسعير، إضافة إلى مساعدتهن على الوصول إلى الأسواق وتأمين المواد الأولية بأسعار مناسبة.

كما يمكن للتعاونيات النسائية أن تشكل إطاراً مهماً لجمع صاحبات المشاريع تحت مظلة واحدة، بما يسمح بخفض تكاليف الإنتاج ورفع القدرة على المنافسة.

اقتصاد يبدأ من البيت

وبينما تبدو بعض هذه المشاريع صغيرة في حجمها، فإن أثرها الاجتماعي والاقتصادي يتجاوز حدود المنزل.

فالدخل الذي تحققه المرأة قد يؤمن احتياجات أسرتها، ويخفف الاعتماد على الآخرين، وفي بعض الحالات يوفر فرصة عمل لنساء أخريات.

وهكذا تحولت غرف صغيرة ومطابخ منزلية وأدوات خياطة بسيطة إلى مساحات إنتاج تحاول من خلالها النساء مواجهة واقع اقتصادي قاسٍ، ليس بانتظار تحسن الظروف فقط، وإنما بتحويل ما يمتلكن من مهارات إلى مصدر رزق.

وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية، تبدو المشاريع المنزلية واحدة من الأدوات التي تلجأ إليها النساء للحفاظ على استقلالهن الاقتصادي ودعم أسرهن، لكنها تحتاج في المقابل إلى بيئة أكثر دعماً، حتى لا تبقى مجرد محاولات فردية، بل تتحول إلى مشاريع إنتاجية قادرة على الاستمرار والنمو.

- Advertisement -

- Advertisement -