لكل السوريين

دير الزور.. الكهرباء بين فاتورة تثقل الجيب وخدمة لا تستقر

إنذارات بقطع التيار تفتح ملف الجباية وسط انقطاعات وأعطال وتأخر مستحقات العاملين

تشهد مدينة دير الزور وريفها جدلاً متصاعداً حول ملف الكهرباء، بعد توجيه إنذارات إلى عدد من المشتركين المتخلفين عن تسديد الفواتير، تتضمن التلويح بفصل التيار عن المنازل في حال عدم دفع الذمم المترتبة عليهم، في وقت تعاني فيه الأسر أصلاً من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع قدرتها على الوفاء بالالتزامات المتراكمة.

وبحسب معلومات نشرها المرصد السوري لحقوق الإنسان في الثالث من أيلول، تلقى عدد من سكان مدينة دير الزور إشعارات تطالبهم بتسديد فواتير كهرباء متراكمة تحت طائلة فصل الخدمة، فيما وصلت قيمة المستحقات في إحدى الحالات إلى نحو ثلاثة ملايين ليرة سورية عن ثلاث دورات استهلاك، أي ما يقارب مليون ليرة للدورة الواحدة.

ورغم أن هذه القيمة تمثل حالة واحدة ولا يمكن تعميمها على جميع المشتركين، فإنها تكشف حجم المشكلة التي تواجهها بعض الأسر بين فاتورة مرتفعة ودخل محدود، خصوصاً في محافظة ما تزال تعاني من آثار سنوات الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع كلفة الاحتياجات الأساسية.

المشكلة ليست الفاتورة وحدها

الجدل في دير الزور لا يتعلق برفض مبدأ دفع بدل استهلاك الكهرباء، فاستمرار الجباية يمثل ضرورة لأي مؤسسة خدمية تريد الحفاظ على الشبكة وتمويل أعمال الصيانة والتشغيل. لكن اعتراض الأهالي يتمحور بصورة أساسية حول التناسب بين ما يدفعونه وبين مستوى الخدمة التي يحصلون عليها.

فالكهرباء في المحافظة شهدت خلال الأشهر الماضية سلسلة من الأعطال والانقطاعات. وأفادت تقارير رسمية بأن أعطالاً فنية أثرت في عدد من الأحياء، فيما سجلت المحافظة في حزيران انقطاعاً شاملاً نتيجة عطل في محولة 230 ك.ف بمنشأة التيم. كما أعلنت الشركة لاحقاً إصلاح أعطال وإعادة التغذية إلى مناطق متضررة.

وفي تموز، تعرض خط التغذية الرئيسي قرب السخنة لأعمال سرقة وتخريب أدت إلى انقطاع الكهرباء عن المحافظة لأكثر من يوم، وفق تقارير إعلامية، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن محدودية الاستطاعة والمشكلات الفنية في الشبكة ما تزال من أسباب ضعف التغذية.

وهنا تتشكل معادلة شديدة الحساسية بالنسبة للمواطن: فاتورة يجب دفعها في موعدها، مقابل خدمة لا تزال عرضة للأعطال والانقطاع.

أزمة لا تتوقف عند المشتركين

التطور اللافت في الأيام الأخيرة أن أزمة الكهرباء امتدت أيضاً إلى العاملين في القطاع نفسه.

ففي الأول من أيلول، أعلن موظفون وعاملون في شركة كهرباء دير الزور التوقف عن العمل احتجاجاً على عدم صرف رواتبهم ومستحقاتهم المالية لأكثر من أربعة أشهر، إلى جانب تأخر نفقات الصيانة وإصلاح الأعطال ومستلزمات تشغيل المحطة. ووفق ما ورد في بيان العاملين، فإن توقفهم مرتبط أيضاً بظروف العمل ونقص الإمكانات.

ويعني ذلك أن أزمة الكهرباء في دير الزور باتت تتحرك على أكثر من مستوى: مواطن يشكو من ارتفاع قيمة الفواتير، وشبكة تحتاج إلى صيانة واستثمارات، وموظفون يقولون إن مستحقاتهم متأخرة، في حين تبقى الأعطال والانقطاعات جزءاً من الحياة اليومية في عدد من المناطق.

من يتحمل كلفة السنوات السابقة؟

ملف الفواتير المتراكمة ليس جديداً في دير الزور. ففي شباط الماضي، ظهرت شكاوى من مطالبات مالية بأجور كهرباء تعود إلى سنوات طويلة، وصلت في بعض الحالات إلى فترات تمتد من عام 2011 حتى 2026، بما في ذلك مناطق شهدت انقطاعات طويلة أو تضررت شبكاتها خلال سنوات الحرب.

وهذا يفتح باباً آخر في القضية: كيفية احتساب الذمم القديمة، ومدى قدرة الجهات المسؤولة على التحقق من أن الفواتير تعكس استهلاكاً فعلياً خلال الفترات التي كانت فيها الخدمة متوفرة، إضافة إلى آلية التعامل مع المنازل التي تعرضت للدمار أو ظلت خارج الخدمة لسنوات.

وفي أي نظام جباية عادل، لا يكفي إصدار المطالبة المالية؛ بل يحتاج المواطن إلى فاتورة واضحة، وبيانات استهلاك قابلة للتحقق، وآلية اعتراض وتقسيط تراعي الحالات الاجتماعية الصعبة.

الجباية بين حق المؤسسة وقدرة المواطن

لا يمكن لقطاع الكهرباء الاستمرار من دون موارد مالية. فالجباية المنتظمة تساعد في تمويل الصيانة وتأمين قطع التبديل وتشغيل المحطات والشبكات، كما أن عدم دفع الفواتير على نطاق واسع يضعف قدرة المؤسسة على تقديم الخدمة.

لكن في المقابل، فإن تحويل الجباية إلى أداة ضغط على أسر عاجزة عن تسديد مبالغ كبيرة دفعة واحدة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، خصوصاً إذا كان قطع التيار سيزيد من الأعباء على الأسرة ويدفعها إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة.

لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى حلول وسط، أبرزها تقسيط الذمم المتراكمة، وإعادة تدقيق الفواتير القديمة، واستثناء الحالات الإنسانية الأشد فقراً، وربط تحسين الجباية بخطة واضحة لتحسين ساعات التغذية وتقليل الأعطال.

الكهرباء كاختبار للخدمة العامة

ما يجري في دير الزور يتجاوز مسألة فاتورة كهرباء. إنه اختبار لطريقة إدارة الخدمات العامة في مرحلة تحاول فيها المؤسسات إعادة بناء شبكات تضررت بشدة خلال سنوات الحرب.

فالمواطن يريد دفع فاتورة يمكنه تحملها، لكنه يريد في المقابل أن يشعر بأن ما يدفعه يتحول إلى خدمة أكثر استقراراً. والعامل في مؤسسة الكهرباء يريد راتبه ومستحقاته وأدوات عمله، بينما تحتاج الشبكة إلى صيانة واستثمارات مستمرة.

وبين هذه الأطراف الثلاثة، تبدو المعادلة واضحة: جباية بلا تحسين للخدمة ستزيد الاحتقان، وتحسين الخدمة بلا جباية منتظمة سيبقى محدود الاستدامة.

ومن هنا، فإن معالجة أزمة الكهرباء في دير الزور لا تبدو ممكنة بقرار فصل التيار وحده، بل تحتاج إلى مسار متكامل يبدأ من تدقيق الفواتير والديون المتراكمة، ويمر بإعادة تأهيل الشبكة وتأمين مستلزمات الصيانة، وينتهي بخدمة كهربائية مستقرة يشعر المواطن أن دفع ثمنها مبرر.

ففي محافظة أنهكتها سنوات الحرب وتواجه اليوم أعباء معيشية متزايدة، لا تبدو الكهرباء مجرد خدمة منزلية، بل جزءاً أساسياً من قدرة الناس على البقاء والعمل والإنتاج. وأي سياسة جباية لا تأخذ هذه الحقيقة بالحسبان قد تحول فاتورة الكهرباء من أداة لتمويل الخدمة إلى مصدر جديد للاستياء الاجتماعي.

- Advertisement -

- Advertisement -