لكل السوريين

السعودية ومصر.. شراكة أمنية خارج “اتفاق مكة”

القاهرة خارج التحالف الدفاعي الثلاثي.. لكنها حاضرة في الحسابات السعودية لإعادة رسم أمن المنطقة

لم يكن غياب مصر عن اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب/أغسطس 2026، مؤشراً بالضرورة إلى ابتعاد القاهرة عن المعادلة الأمنية الإقليمية، بقدر ما يعكس اختلافاً في طبيعة الالتزامات التي ترغب مصر في الدخول بها، وفي رؤيتها لكيفية إدارة التوازنات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط.

الاتفاق السعودي-التركي-الباكستاني نص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي. وفي 31 آب/أغسطس، انتقل الاتفاق خطوة إضافية نحو المؤسساتية، بعدما اتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة عامة في السعودية، وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والإنتاج المشترك.

القاهرة خارج الاتفاق.. وليست خارج المعادلة

تملك مصر موقعاً مختلفاً داخل منظومة الأمن العربي. فهي دولة ذات ثقل عسكري وسكاني وجغرافي كبير، وتسيطر على قناة السويس، كما ترتبط بعلاقات أمنية وسياسية وثيقة مع السعودية ودول الخليج.

لكن القاهرة تبدو أكثر حذراً تجاه الدخول في التزامات دفاعية جماعية يمكن أن تفرض عليها المشاركة في صراعات إقليمية لا تتطابق بالضرورة مع أولوياتها. وتذهب تحليلات إلى أن مصر تتبنى نهجاً أكثر حذراً واستقراراً، وتسعى إلى الحفاظ على مساحة للمناورة بدلاً من الانضمام السريع إلى محور عسكري جديد.

وهذا يفسر إلى حد كبير استمرار التعاون المصري-السعودي خارج إطار الاتفاق الثلاثي، إذ لا تحتاج الرياض بالضرورة إلى عضوية مصر الرسمية في التحالف حتى تعتبرها جزءاً مهماً من ترتيبات الأمن الإقليمي الأوسع.

لماذا تحتاج السعودية إلى مصر؟

بالنسبة إلى الرياض، لا تُقاس أهمية مصر فقط بحجم قواتها المسلحة، بل أيضاً بموقعها الجغرافي ودورها في البحر الأحمر وقناة السويس وشرق المتوسط، فضلاً عن ثقلها السياسي داخل العالم العربي.

ومن هنا يمكن فهم رغبة السعودية في الحفاظ على علاقة أمنية وسياسية قوية مع القاهرة، حتى في ظل ظهور ترتيبات جديدة تضم تركيا وباكستان.

فالتحالف الثلاثي يمنح السعودية عناصر مختلفة: تركيا توفر قوة عسكرية وصناعة دفاعية متقدمة، وباكستان توفر خبرة عسكرية وثقلاً استراتيجياً، بينما تمثل السعودية المركز الاقتصادي والسياسي للتحالف. أما مصر، فتملك أوراقاً مختلفة تجعلها شريكاً مهماً في أي منظومة إقليمية أوسع.

«اتفاق مكة» ليس بديلاً كاملاً عن التحالفات القائمة

ورغم الطابع اللافت للاتفاق، فإن أطرافه أكدت أنه دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها. كما أن الاتفاق لا يلغي الترتيبات والتحالفات الدفاعية القائمة للدول الثلاث.

وهذا يعني أن الرياض لا تبدو بصدد استبدال شراكاتها التقليدية بترتيب واحد، بل تعمل على تنويع خياراتها الأمنية في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

وتبرز هنا أهمية مصر تحديداً؛ فالقاهرة تستطيع أن تكون شريكاً في ملفات الأمن البحري، وأمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، وحماية طرق التجارة، إلى جانب الملفات السياسية المرتبطة بالأزمات العربية.

آلية رباعية قد تكون أهم من العضوية

المفارقة أن مصر لم تختفِ من المشهد بعد اتفاق مكة. ففي نهاية آب/أغسطس اجتمعت مصر والسعودية وتركيا وباكستان ضمن آلية رباعية عُرفت باسم R-4، وسط توجه لإعطاء هذه الآلية طابعاً أكثر مؤسساتية وتنظيماً.

وهنا تظهر الصورة الأوسع: قد لا تكون القاهرة مستعدة حالياً للانتقال من التعاون السياسي والأمني إلى التزام دفاعي جماعي، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تترك عملية إعادة تشكيل الأمن الإقليمي تجري من دون حضورها.

توازن جديد في الشرق الأوسط

يعكس المشهد الحالي اتجاهاً إقليمياً متزايداً نحو بناء قدرات وشراكات أمنية أكثر تنوعاً. السعودية، التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على طرف واحد في ضمان أمنها، تبدو راغبة في امتلاك أكثر من قناة للتعاون العسكري والسياسي.

أما تركيا فتسعى إلى توسيع حضورها في ترتيبات الأمن الإقليمي، فيما ترى باكستان في الشراكة مع الرياض وأنقرة فرصة لتعزيز نفوذها ودورها خارج محيطها المباشر.

وفي المقابل، تحاول مصر الحفاظ على موقعها كقوة عربية مركزية من دون التورط في تحالفات قد تحد من قدرتها على التحرك بين الأطراف المتنافسة.

وبذلك، فإن خروج مصر من «اتفاق مكة» لا يعني خروجها من الحسابات السعودية، بل ربما يعكس صيغة مختلفة للشراكة. فالسعودية قد تحتاج إلى التحالف الثلاثي لتعزيز الردع، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى مصر للحفاظ على التوازن العربي، وتأمين المصالح البحرية والتجارية، وإدارة الملفات السياسية والأمنية التي لا يمكن حسمها بالقدرات العسكرية وحدها.

والسؤال الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: هل ستنضم مصر إلى اتفاق مكة؟ بل: هل ستنجح الرياض في بناء منظومة أمن إقليمية متعددة الدوائر، تكون فيها مصر شريكاً أساسياً من دون أن تكون عضواً رسمياً في التحالف؟

- Advertisement -

- Advertisement -