لم تعد اللغة الكردية في سوريا مجرد لغة تتناقلها العائلات داخل المنازل أو تُدرّس خارج منظومة التعليم الرسمية، بل بدأت تشق طريقها إلى المدرسة الحكومية السورية، بعد عقود طويلة ارتبط فيها التعليم بسياسات التهميش والتعريب ومنع التعبير العلني عن الهوية الكردية.
ومع اقتراب العام الدراسي 2026-2027، دخل هذا التحول مرحلة أكثر تقدماً، بعدما عدّلت وزارة التربية والتعليم السورية في 28 آب الماضي التعليمات التنفيذية الخاصة بالمرسوم رقم 13 لعام 2026، لتصبح اللغة الكردية جزءاً من المناهج الرسمية في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، وفي مختلف المراحل الدراسية.
لكن خلف هذا القرار قصة سياسية واجتماعية أطول من مجرد قرار صادر عن وزارة. فالوصول إلى هذه اللحظة لم يكن منفصلاً عن سنوات من النضال الكردي للحفاظ على اللغة والهوية، ولا عن التجربة التعليمية التي بنتها الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، ولا عن الدور الذي لعبته قوات سوريا الديمقراطية، وقائدها مظلوم عبدي، في إعادة طرح القضية الكردية على طاولة مستقبل الدولة السورية.
سنوات من الصمت.. حين كانت اللغة خارج المدرسة
على مدى عقود، عاش الكرد السوريون مع واقع تعليمي لم يكن يعكس لغتهم وثقافتهم بصورة رسمية. وكانت سياسات التعريب، ولا سيما في المناطق الكردية، سبباً في إبعاد اللغة الأم عن المدرسة والمؤسسات الرسمية، لتتحول لدى أجيال من السوريين الكرد إلى لغة منزلية أكثر منها لغة تعليم وحياة عامة.
وكانت آثار ذلك تتجاوز مسألة اللغة نفسها؛ فالطفل الذي يدخل المدرسة بلغة تختلف عن اللغة التي تربى عليها كان يواجه فجوة بين هويته اليومية وبين المؤسسة التعليمية الرسمية.
لهذا، فإن دخول الكردية إلى المدرسة السورية لا يمثل بالنسبة إلى كثير من الكرد مجرد إضافة مادة دراسية جديدة، بل استعادة لحق ثقافي حُرم منه أجيال.
قسد.. من الميدان العسكري إلى معركة الاعتراف
عندما تأسست قوات سوريا الديمقراطية عام 2015، كان حضورها مرتبطاً بصورة أساسية بالحرب على تنظيم داعش، قبل أن يتحول دورها تدريجياً إلى أحد العناوين الرئيسية في النقاش حول مستقبل شمال وشرق سوريا وشكل الدولة السورية المقبلة.
وبالتوازي مع الدور العسكري، نشأت في مناطق الإدارة الذاتية تجربة تعليمية اعتمدت الكردية إلى جانب العربية والسريانية، وأتاحت لأجيال من الأطفال الدراسة بلغتهم الأم.
هذه التجربة، بصرف النظر عن الخلافات السياسية حولها، صنعت أمراً بالغ الأهمية: أثبتت أن تعليم الكردية ليس فكرة نظرية، وأن هناك كوادر ومناهج وتجربة متراكمة يمكن البناء عليها.
وفي شباط الماضي، كان مظلوم عبدي قد أكد أن اللغة الكردية تجاوزت مرحلة الخطر، ودعا العائلات إلى الاهتمام باللغة الأم، بالتزامن مع استمرار النقاش مع دمشق حول الاعتراف الرسمي بالتعليم باللغة الكردية.
وبذلك، انتقلت القضية تدريجياً من المطالبة بالحفاظ على اللغة داخل المجتمع الكردي إلى المطالبة باعتراف الدولة السورية بها.
المرسوم 13.. اعتراف يتجاوز حدود المدرسة
في 16 كانون الثاني 2026، صدر المرسوم رقم 13، الذي اعتبر المواطنين السوريين الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، ونص على أن هويتهم الثقافية والقومية جزء من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.
الأهم أن المرسوم اعترف باللغة الكردية بوصفها لغة وطنية، وفتح الباب أمام تدريسها في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق ذات الحضور الكردي، كما ألغى الإجراءات الاستثنائية المرتبطة بإحصاء الحسكة لعام 1962، ونص على معالجة أوضاع المواطنين من أصول كردية، إضافة إلى اعتماد عيد نوروز عطلة رسمية.
كان ذلك تحولاً قانونياً مهماً، لأنه نقل القضية الكردية من مساحة المطالب السياسية إلى مساحة الحقوق التي يفترض أن تحميها مؤسسات الدولة.
لكن بالنسبة إلى قطاع واسع من الكرد، بقي السؤال الأهم: هل سيتحول الاعتراف المكتوب إلى ممارسة فعلية داخل المدارس؟
من حصتين اختياريتين إلى ثلاث حصص ودرجة في الشهادة
الإجابة بدأت تظهر خلال الأشهر التالية.
في كانون الثاني، أعلنت وزارة التربية بدء تنفيذ المرسوم وإعداد مناهج خاصة باللغة الكردية، وكلفت المركز الوطني لتطوير المناهج بإعدادها لمختلف المراحل التعليمية خلال ستة أشهر.
وفي البداية كانت الكردية مادة اختيارية بواقع حصتين أسبوعياً.
لكن التعديل الذي صدر في 28 آب حمل تغييراً مهماً؛ إذ باتت اللغة الكردية تُدرّس بواقع ثلاث حصص أسبوعياً إلى جانب العربية والإنكليزية، وأصبحت درجتها تدخل في المجموع النهائي للطالب، مع إضافة حصة أسبوعية للأنشطة باللغة الكردية. كما أُتيح للطلاب خلال العام الدراسي الأول اختيار دراسة الدراسات الاجتماعية والتاريخ والجغرافيا والفلسفة بالعربية أو الكردية وفق المناهج المعتمدة.
وهنا تكمن أهمية التحول: الكردية لم تعد نشاطاً هامشياً أو مادة خارج الحساب الدراسي، بل أصبحت جزءاً من المسار التعليمي الرسمي.
التوقيت ليس تفصيلاً
جاء هذا التطور بعد أيام فقط من إعلان مظلوم عبدي انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية كقوة عسكرية مستقلة واندماج مؤسساتها ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وبالتزامن تقريباً، عُيّن عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، في إشارة سياسية إلى انتقال الرجل الذي قاد قسد خلال سنوات الحرب من موقع القيادة العسكرية إلى موقع داخل مؤسسات الدولة الجديدة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التطور التعليمي باعتباره جزءاً من صفقة سياسية واجتماعية أوسع: اندماج القوة الكردية في الدولة مقابل ضمانات تتعلق بالحقوق والهوية والمشاركة.
وإذا كان حل قوة عسكرية مثل قسد يمثل تنازلاً كبيراً من جانبها، فإن الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية يمثل، في المقابل، اختباراً جدياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على بناء علاقة مختلفة مع الكرد.
ما الذي قدمته التجربة الكردية؟
لا يمكن تجاهل أن شمال وشرق سوريا امتلك خلال السنوات الماضية تجربة فعلية في التعليم باللغة الكردية.
فقد عملت المؤسسات التعليمية التابعة للإدارة الذاتية على تطوير مناهج وكوادر باللغة الكردية، وأصبح وجود المدرسة الكردية واقعاً بالنسبة إلى أعداد كبيرة من الأطفال.
وهذا يعني أن الدولة السورية لا تبدأ من الصفر.
هناك معلمون، وخبرات، وتجربة ميدانية، ومجتمع تعليمي كامل راكم خبرة خلال أكثر من عقد. ولذلك فإن الاستفادة من هذه الخبرات بدلاً من التعامل معها باعتبارها تجربة يجب إلغاؤها قد تكون الطريق الأسرع لبناء نظام تعليمي أكثر واقعية.
كما أن وزارة التربية نفسها أقرت بإمكانية الاستعانة بكوادر من خارج ملاكها ممن يتقنون اللغة الكردية، مع إخضاعهم لاختبارات كتابية وشفهية، وهو ما يفتح الباب أمام الاستفادة من الكفاءات الموجودة في المناطق الكردية.
ليست منحة.. بل استعادة حق
من منظور كردي، لا ينبغي التعامل مع تدريس اللغة باعتباره امتيازاً تمنحه الدولة لمكوّن من مكوناتها.
فاللغة الأم ليست ترفاً ثقافياً، ولا مطلباً سياسياً قابلاً للسحب عند تغير الظروف، بل جزء من الهوية والحق في التعليم والثقافة.
ولهذا فإن الخطوة الحالية تكتسب قيمتها الحقيقية إذا تحولت من قرار إداري إلى سياسة ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات أو التوازنات السياسية.
فما يطلبه الكرد، في جوهره، ليس مدرسة منفصلة عن سوريا، وإنما مدرسة سورية تعترف بأن السوري يمكن أن يكون كردياً وعربياً أو سريانياً، وأن الانتماء إلى الوطن لا يتطلب التخلي عن اللغة الأم.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
رغم أهمية القرار، فإن الطريق أمامه ليس سهلاً.
فإعداد المناهج الكردية لجميع المراحل يحتاج إلى خبراء متخصصين، وتوفير آلاف المعلمين المؤهلين يحتاج إلى وقت وموارد، كما أن نجاح التجربة يتطلب الاعتراف بخبرات الكوادر التي راكمت تجربتها في مدارس شمال وشرق سوريا.
وتبقى مسألة تحديد المناطق التي ينطبق عليها القرار، ومعيار «النسبة الملحوظة» من السكان، إحدى النقاط التي قد تحتاج إلى آليات واضحة حتى لا تتحول إلى باب جديد للنزاع الإداري أو السياسي.
لكن التحدي الأكبر هو ألا تتوقف الخطوة عند حدود الورق.
فإذا دخلت الكردية المدرسة، ثم حصل الطفل الكردي على كتاب بلغته، وتعلمها بصورة منهجية، ووجد معلماً مؤهلاً، وأصبحت علامته جزءاً من سجله الدراسي، عندها فقط يمكن القول إن الدولة السورية بدأت بالفعل في معالجة إرث طويل من التهميش.
قسد.. حين تتحول المعركة من السلاح إلى الحقوق
ربما تكون المفارقة الأبرز في المشهد السوري الجديد أن القضية التي حملتها قسد عسكرياً وسياسياً لسنوات، أصبحت اليوم تُناقش داخل مؤسسات الدولة.
فبعد سنوات الحرب ضد داعش، ثم سنوات التفاوض والصدام السياسي مع دمشق، انتقلت قسد إلى مرحلة مختلفة تماماً؛ مرحلة محاولة تحويل ما راكمته على الأرض إلى ضمانات سياسية وثقافية داخل الدولة السورية.
وفي هذا السياق، يصبح دور مظلوم عبدي أكثر من مجرد دور قائد عسكري سابق.
فانتقاله إلى موقع استشاري في الرئاسة، بالتزامن مع الاعتراف المتقدم بحقوق اللغة الكردية، يرسل رسالة مفادها أن مستقبل الكرد في سوريا لن يُحسم فقط في ساحات القتال، بل أيضاً داخل مؤسسات الدولة والدستور والمدرسة.
وهنا قد تكون المدرسة أهم من البندقية.
فالطفل الذي سيدخل صفه في العام الدراسي المقبل ويجد لغته الكردية مكتوبة في كتاب رسمي، ويحصل على علامتها في شهادته، سيكون أمام واقع مختلف عن واقع آبائه وأجداده.