الفروج المستورد يدخل سوريا.. إنقاذٌ مؤقت للسوق أم تهديدٌ لصناعة الدواجن المحلية؟
غلاءٌ يخنق المستهلك.. ومربّون ينسحبون.. والحكومة تلجأ إلى الاستيراد لسد فجوة الإنتاج
لم يعد الفروج في سوريا مجرد مادة غذائية على موائد الأسر، بل تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى مؤشر واضح على حجم الضغوط التي يعيشها الاقتصاد السوري. فبين ارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة والنقل، وتراجع أعداد المربين، وانخفاض الإنتاج المحلي، وجد المستهلك نفسه أمام أسعار تتجاوز قدرته الشرائية، فيما وجدت الحكومة نفسها أمام خيار الاستيراد لضبط سوقٍ فقد جزءاً من توازنه.
وفي أحدث تطورات الملف، دخلت إلى الأراضي السورية أول شحنة من الفروج الحي المستورد من تركيا عبر معبر الراعي، وذلك بعد إعلان وزارة الزراعة السماح باستيراد الفروج الحي بهدف زيادة المعروض والمساهمة في خفض الأسعار.
لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: هل سينخفض سعر الفروج؟ بل: أين الفروج السوري؟ ولماذا وصل الإنتاج المحلي إلى مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى الاستيراد؟ وهل يشكل الفروج المستورد حلاً اقتصادياً أم مسكّناً مؤقتاً لأزمة أعمق؟
من المداجن إلى الأسواق.. أين اختفى الفروج السوري؟
تكشف البيانات والتصريحات الرسمية أن المشكلة الأساسية لا ترتبط فقط بارتفاع الطلب، وإنما بتراجع العرض نتيجة خروج أعداد من المربين من دورة الإنتاج خلال الفترة الماضية.
وبحسب ما نقلته وكالة سانا، فإن ارتفاع الأسعار جاء نتيجة انخفاض أعداد المربين وتراجع كميات الإنتاج المعروضة، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف مستلزمات التربية.
وهذه المعادلة الاقتصادية تبدو واضحة: عندما يصبح إنتاج كيلو الفروج أكثر كلفة من السعر الذي يستطيع المستهلك دفعه، يبدأ المربي بتقليص إنتاجه أو التوقف عنه، فتتراجع الكميات في السوق، ويرتفع السعر، ثم يصبح استمرار التربية أكثر صعوبة.
وهذا ما يجعل مشكلة الفروج السوري أعمق من مجرد نقص مؤقت في الكميات.
لماذا ارتفع السعر إلى هذه المستويات؟
رصدت الأسواق السورية خلال الأسابيع الماضية ارتفاعاً واضحاً في أسعار الفروج ومشتقاته.
وبحسب رصد رسمي في أسواق دمشق، تراوح سعر كيلو الفروج بين 350 و450 ليرة سورية جديدة، بينما وصل سعر كيلو فخذ الوردة إلى نحو 400–500 ليرة، وتراوح سعر كيلو شرحات الدجاج بين 800 و850 ليرة.
وفي رصد آخر للأسواق، وصل سعر كيلو الفروج الحي إلى نحو 400 ليرة جديدة، بينما اقترب سعر كيلو الشرائح من 1000 ليرة جديدة، ما يعكس اتساع الفارق بين سعر الفروج الكامل والقطع الجاهزة للبيع.
لكن السعر النهائي لا يتحدد داخل محل بيع الفروج وحده.
فالمربي يدفع ثمن الصوص، والعلف، والأدوية، والتدفئة، والكهرباء أو الوقود، إضافة إلى أجور العمال والنقل والخسائر الناتجة عن النفوق، قبل أن يصل الفروج إلى المسلخ ثم إلى المستهلك.
وتشير بيانات منشورة حديثاً إلى وجود فجوة كبيرة في تكاليف بعض مدخلات الإنتاج بين سوريا وتركيا؛ إذ قُدّر سعر الصوص بنحو 0.80 دولار في سوريا مقابل 0.30 دولار في تركيا، فيما بلغ سعر طن العلف نحو 580 دولاراً في سوريا مقابل 400 دولار في تركيا.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية: المستهلك السوري يدفع سعراً مرتفعاً، بينما لا يعني ذلك بالضرورة أن المربي السوري يحقق ربحاً مرتفعاً.
الاستيراد.. لماذا الآن؟
القرار الحكومي بالسماح باستيراد الفروج الحي جاء باعتباره محاولة لزيادة العرض وكسر موجة الغلاء.
وهذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها الحكومة إلى هذا الخيار. ففي آذار الماضي دخلت بالفعل 25 شاحنة محملة بالفروج الحي من تركيا عبر معبر الراعي، ضمن قرار سمح بالاستيراد لفترة محدودة بهدف زيادة المعروض ودعم استقرار السوق.
وفي ذلك الوقت أكدت الجهات الرسمية أن الشحنات تخضع لإجراءات صحية وبيطرية، وأن الفروج المستورد يُوجّه إلى مسالخ معتمدة بعد استكمال الفحوص المطلوبة.
اقتصادياً، يمكن أن يؤدي الاستيراد إلى نتيجة سريعة: زيادة العرض والضغط على الأسعار.
لكن هذه النتيجة لا تستمر بالضرورة إذا بقيت المشكلة الأساسية دون علاج.
فإذا دخل الفروج المستورد بكميات كبيرة وبأسعار أقل من تكلفة إنتاج الفروج السوري، فقد يجد المربي المحلي نفسه أمام منافس يصعب عليه مجاراته، خصوصاً إذا كانت تكلفة الأعلاف والطاقة والصوص في سوريا أعلى من الدول المصدرة.
هل الفروج المستورد آمن؟
من الناحية الصحية، لا يمكن اعتبار الفروج المستورد خطراً لمجرد أنه مستورد، كما لا يمكن اعتباره آمناً لمجرد أنه دخل عبر الحدود.
المعيار الحقيقي هو سلسلة الرقابة.
وتقول مؤسسة الدواجن السورية إن الطيور الداخلة عبر المعابر تخضع لفحوص من الأطباء البيطريين والحجر البيطري للتأكد من سلامتها وخلوها من الأمراض، كما أوضحت أن الفروج المستورد لا يُطرح للتداول الحي المباشر، وإنما يُوجّه بعد الفحص إلى المسالخ المعتمدة للذبح والتجهيز.
وبالتالي، فإن سلامة المستهلك تتطلب أن تكون الرقابة قابلة للتدقيق في كل مرحلة: بلد المنشأ، الشهادات البيطرية، النقل، الحجر، الفحص، المسلخ، التبريد، ثم التوزيع.
وهنا لا تكفي البيانات العامة؛ فكل شحنة يجب أن تكون موثقة ومطابقة للشروط الصحية، لأن أي خلل في الرقابة لا يهدد المستهلك فقط، وإنما يمكن أن يهدد الثروة الحيوانية السورية أيضاً.
ماذا يقول الاستيراد عن الاقتصاد السوري؟
الاستيراد في حد ذاته ليس مشكلة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستيراد من إجراء مؤقت لسد فجوة إلى بديل دائم عن الإنتاج المحلي.
فقطاع الدواجن ليس مجرد مزارع ومسالخ. إنه سلسلة اقتصادية واسعة تضم معامل الأعلاف، ومربي الصيصان، والمداجن، والأطباء البيطريين، والعمال، والنقل، والمسالخ، ومحال البيع.
أي تراجع طويل الأمد في الإنتاج المحلي يعني خسارة في سلسلة اقتصادية كاملة، وزيادة الاعتماد على الخارج لتأمين سلعة غذائية أساسية.
وفي المقابل، فإن ترك الأسعار ترتفع بلا تدخل يعني دفع المستهلك إلى تقليص استهلاكه، ويدفع المطاعم ومحال بيع الفروج إلى رفع أسعارها أو تقليل الكميات، بينما يستمر المربي في مواجهة تكاليف مرتفعة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة هو تحقيق توازن بين ثلاثة أطراف: المستهلك، والمربي، والاقتصاد الوطني.
في السوق.. المستهلك يدفع الثمن
الرصد المنشور في أسواق دمشق يعطي صورة واضحة عن حالة السوق: أسعار مرتفعة، تفاوت بين المحال، وفجوة كبيرة بين سعر الفروج الكامل وأسعار القطع.
سوق الهال دمشق
لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة.
فالمستهلك الذي يدخل السوق اليوم لا يبحث فقط عن أرخص كيلوغرام، بل يحاول معرفة ما إذا كان السعر سيستمر في الارتفاع غداً. وهذا القلق بحد ذاته يغير سلوك الشراء؛ فبعض الأسر تخفّض الكميات، وأخرى تستبدل الفروج بمواد غذائية أرخص، بينما تتجه أسر أخرى إلى شراء القطع الأقل سعراً بدلاً من الفروج الكامل.
وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف القدرة الشرائية، فإن ارتفاع سعر مادة غذائية أساسية لا يبقى محصوراً في قطاع الدواجن، بل ينتقل إلى المطاعم والمطابخ الشعبية وتكاليف المعيشة اليومية.