بعد أكثر من أربع سنوات ونصف على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، يعود الحديث عن وقف القتال إلى واجهة المشهد الدولي بقوة، مع تحركات أميركية جديدة ومحاولات لإحياء قنوات التفاوض بين موسكو وكييف. لكن التطورات الميدانية المتسارعة والتباعد الكبير في شروط الطرفين يجعلان الطريق إلى وقف شامل للحرب أكثر تعقيداً مما توحي به التصريحات الدبلوماسية.
وبينما تتحدث كييف عن إمكانية استئناف المفاوضات خلال شهر أيلول الجاري، تواصل روسيا عملياتها العسكرية في الشرق الأوكراني، بالتزامن مع تصعيد غير مسبوق تقريباً في حرب المسيّرات والهجمات بعيدة المدى من الجانبين، ما يجعل المشهد أقرب إلى محاولة تحسين شروط التفاوض بالقوة قبل الجلوس إلى الطاولة.
تحرك أميركي جديد
أبرز التطورات السياسية جاء من كييف، حيث أعلن مسؤولون أوكرانيون أن محادثات جديدة مع روسيا قد تصبح ممكنة خلال أيلول، شرط وجود مشاركة أميركية مباشرة. وقال كيريلو بودانوف، أحد كبار المسؤولين في الرئاسة الأوكرانية، إن المرحلة المقبلة قد تبدأ بمحادثات تقنية تمهد لجولات سياسية أوسع، لكنه حذر في الوقت نفسه من توقع نهاية سريعة للحرب.
وتزامن ذلك مع اتصال وصفته كييف بـ«المفصل والبناء» بين الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، جرى خلاله بحث زيارة أميركية مرتقبة إلى أوكرانيا ومسار الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب. وتأمل كييف بأن يحمل أيلول تطورات سياسية أكثر جدية في هذا الملف.
ولا تقتصر التحركات الأميركية على كييف، إذ شهدت الأسابيع الأخيرة اتصالات مع موسكو أيضاً، بينها زيارة نادرة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى العاصمة الروسية واجتماعات مع مسؤولين أمنيين روس، في مؤشر إلى أن قنوات الاتصال بين واشنطن وموسكو لم تتوقف رغم استمرار المواجهة.
ورقة سلام جديدة
وتعمل أوكرانيا بالتنسيق مع الولايات المتحدة ودول أوروبية على بلورة أفكار جديدة لإنهاء الحرب. ووفق ما كشفه زيلينسكي مؤخراً، أعدت الأطراف ورقة مختصرة تتضمن مقترحات يفترض عرضها على موسكو.
وتشمل الأفكار المطروحة وقفاً لإطلاق النار، إلى جانب مقترح أميركي سابق يتعلق بإنشاء منطقة اقتصادية حرة في أجزاء من إقليم دونباس شرق أوكرانيا بإدارة طرف ثالث. لكن هذا المقترح يصطدم منذ البداية بخلاف جوهري حول السيادة على الأراضي، إذ تعتبر موسكو المناطق التي أعلنت ضمها جزءاً من روسيا، فيما ترفض كييف الاعتراف بفقدان السيادة عليها.
ويرى زيلينسكي أن هناك «نافذة دبلوماسية» أمام الوساطة الأميركية قد تمتد حتى صيف عام 2027، معتبراً أن الفترة المقبلة تمثل فرصة ينبغي استغلالها قبل انشغال الولايات المتحدة تدريجياً بالانتخابات الرئاسية لعام 2028.
موسكو: تفاوض بشروط الميدان
في المقابل، لا تظهر التصريحات الروسية الأخيرة استعداداً لقبول وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار.
فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد في الأول من أيلول أن قواته تحقق تقدماً في ساحة المعركة، وقال إن موسكو لن تدخل مفاوضات بالشكل الذي تريده كييف، مستخدماً خطاباً شديد اللهجة تجاه القيادة الأوكرانية. ومع ذلك، أبقى بوتين الباب مفتوحاً أمام «مفاوضات جوهرية» إذا رأت روسيا أنها قادرة على تحقيق نتائج حقيقية، خصوصاً عبر القنوات الأميركية.
وتقول موسكو إن قواتها حققت خلال آب تقدماً في منطقة دونيتسك، وإن العمليات تتجه نحو مدينتي سلوفيانسك وكراماتورسك، في حين لم تتمكن رويترز من التحقق بصورة مستقلة من جميع الأرقام والادعاءات الروسية.
وتتمثل إحدى أكبر عقد المفاوضات في مطالبة روسيا أوكرانيا بالتخلي عن مناطق إضافية من دونباس ما زالت تحت سيطرة كييف. وترفض أوكرانيا الانسحاب من أراضٍ لم تتمكن القوات الروسية من السيطرة عليها عسكرياً، معتبرة أن ذلك سيمنح موسكو عبر المفاوضات ما لم تحصل عليه في ساحة الحرب.
التصعيد العسكري يناقض خطاب السلام
في الوقت الذي تتكثف فيه الاتصالات السياسية، تشهد الجبهة تصعيداً حاداً.
ففي الثاني من أيلول تعرضت كييف لهجمات روسية بالمسيّرات لليوم السابع على التوالي، بينما استهدفت الضربات مناطق أخرى بينها أوديسا ودنيبرو ومنشآت للطاقة والبنية التحتية. وفي المقابل، كثفت أوكرانيا عمليات الطائرات المسيّرة بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، وأصبحت المطارات والمصافي ومنشآت أخرى أهدافاً متكررة للهجمات.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الطرفان يتحدثان عن السلام، لكن كلاً منهما يحاول في الوقت نفسه زيادة الضغط العسكري والاقتصادي على الطرف الآخر.
فروسيا تراهن على تحقيق مكاسب جديدة في الشرق قبل أي اتفاق محتمل، بينما تسعى أوكرانيا إلى إثبات قدرتها على نقل الحرب إلى العمق الروسي وضرب منشآت حيوية، بما يمنع موسكو من الدخول إلى المفاوضات من موقع المنتصر.
أوروبا تخشى «سلاماً هشاً»
أما أوروبا فتؤيد وقف الحرب، لكنها تشدد على أن أي تسوية يجب ألا تتحول إلى مجرد هدنة تسمح لروسيا بإعادة تنظيم قواتها ثم استئناف القتال لاحقاً.
ويؤكد الاتحاد الأوروبي ضرورة التوصل إلى سلام يحترم استقلال أوكرانيا وسيادتها، ويرفض تغيير الحدود بالقوة، مطالباً موسكو بوقف كامل وغير مشروط لإطلاق النار والدخول في مفاوضات جدية. كما تبدي الدول الأوروبية استعدادها للمشاركة في ضمانات أمنية مستقبلية لأوكرانيا بالتعاون مع الولايات المتحدة.
وفي المقابل، يستعد الاتحاد الأوروبي لمزيد من العقوبات ضد شخصيات وكيانات روسية، بالتوازي مع مواصلة المساعدات العسكرية والمالية لكييف، ما يعني أن أوروبا لا ترى حتى الآن مؤشرات كافية تسمح بتخفيف الضغط على موسكو.
وفي واشنطن ظهرت الرسالة ذاتها على المستوى الاقتصادي؛ إذ أبلغ وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت نظيره الروسي خلال اجتماع في الثاني من أيلول أن موسكو لن تحصل على انفراج اقتصادي أو اتفاقات جديدة مع الولايات المتحدة قبل انتهاء حربها في أوكرانيا.
هل اقتربت نهاية الحرب؟
رغم الزخم السياسي، لا تشير المعطيات الحالية إلى أن وقف الحرب أصبح وشيكاً.
فالمشكلة لم تعد تتعلق بإقناع موسكو وكييف بالجلوس إلى طاولة واحدة فقط، بل بما سيحدث بعد الجلوس إليها: أين ترسم خطوط وقف إطلاق النار؟ ماذا سيكون مصير الأراضي التي تسيطر عليها روسيا؟ وهل ستقبل موسكو بضمانات أمنية غربية قوية لأوكرانيا؟ وهل تستطيع كييف قبول اتفاق يترك أجزاء من أراضيها تحت السيطرة الروسية؟
هذه الأسئلة هي جوهر الصراع السياسي المقبل.
وربما تستطيع الولايات المتحدة في المرحلة الأولى الدفع نحو وقف مؤقت لإطلاق النار، أو اتفاقات جزئية تتعلق بالطاقة والبحر الأسود وتبادل الأسرى ووقف بعض أنواع الهجمات. لكن الانتقال من هدنة إلى اتفاق سلام نهائي سيحتاج إلى تنازلات لم يُظهر أي من الطرفين حتى الآن استعداداً واضحاً لتقديمها.
وهكذا تدخل الحرب خريف 2026 بمشهد متناقض: المفاوضات تقترب، لكن المعارك تتصاعد؛ حديث السلام يزداد، لكن شروطه لا تزال بعيدة عن الاتفاق.
وفي ظل تمسك موسكو بمكاسبها ومطالبها الإقليمية، ورفض كييف تحويل الأمر الواقع العسكري إلى اعتراف سياسي دائم، تبدو الأشهر المقبلة اختباراً حقيقياً لما إذا كان النشاط الدبلوماسي الجديد سيقود إلى أول خطوة جدية نحو نهاية الحرب، أم سيكون مجرد جولة تفاوض جديدة تسبق مرحلة أخرى من القتال.