من سجون شمال شرقي سوريا إلى المحاكم العراقية.. ما مصير آلاف المحتجزين السوريين؟
بغداد تبدأ مرحلة المحاكمات بعد استكمال التحقيق مع 5704 محتجزين.. وإجراءات لإعادة 457 سورياً إلى سوريا
دخل ملف المحتجزين الذين نُقلوا من شمال شرقي سوريا إلى العراق مرحلة جديدة وحاسمة، بعد إعلان مجلس القضاء الأعلى العراقي استكمال التحقيق والاستجواب مع 5704 متهمين بالانتماء إلى تنظيم “داعش”، والبدء بإحالتهم إلى المحاكم المختصة، في تطور يفتح الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية للسوريين: الإفراج وإعادتهم إلى سوريا، أو المحاكمة أمام القضاء العراقي، أو استمرار الاحتجاز إلى حين حسم ملفاتهم قضائياً.
وبحسب أحدث بيانات القضاء العراقي، يضم الملف 3497 سورياً من أصل 5704 متهمين، ينتمون إجمالاً إلى 67 جنسية. وأكد القضاء أن الإحالة إلى المحاكم لن تكون جماعية، بل ستتم وفق الأدلة والوقائع الخاصة بكل متهم، وهو ما يعني أن مجرد وجود الشخص ضمن المجموعة المنقولة من سوريا لا يعني بالضرورة صدور حكم بحقه.
457 سورياً.. أول دفعة نحو العودة
أبرز ما كشفه القضاء العراقي هو استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاق سراح 457 محتجزاً سورياً لم تثبت بحقهم أدلة تستوجب استمرار الإجراءات القضائية، تمهيداً لتسليمهم إلى الجانب السوري عبر القنوات الرسمية والتنسيق الدبلوماسي.
ويمثل هذا الرقم أول مؤشر عملي على أن جميع السوريين الموجودين في السجون العراقية لن يواجهوا المصير نفسه. فبعد انتهاء التحقيقات، بدأت عملية فرز الملفات بشكل فردي، ما يسمح بإخراج من لم تثبت عليه أدلة، في مقابل استمرار المسار القضائي بحق من يرى القضاء العراقي أن الأدلة المتوافرة ضده تستوجب المحاكمة.
وبحساب الأرقام المعلنة، فإن 457 شخصاً يمثلون نحو 13% من إجمالي السوريين المدرجين في ملف الـ5704. لكن ذلك لا يعني أن بقية السوريين سيُحكم عليهم، إذ إن تحديد مصير أكثر من ثلاثة آلاف سوري متبقٍ سيخضع لنتائج المحاكمات والقرارات القضائية الفردية.
ماذا ينتظر بقية السوريين؟
المرحلة المقبلة تختلف من شخص إلى آخر. فالقضاء العراقي أعلن أن الملفات ستُحال إلى محاكم الموضوع على دفعات، وأن الحكم في كل قضية سيُبنى على الأدلة والوقائع الخاصة بالمتهم، دون تعميم نتيجة ملف على جميع المحتجزين.
ويعني ذلك عملياً أن جزءاً من المحتجزين قد يواجه أحكاماً قضائية إذا ثبتت مشاركته في جرائم أو نشاطات مرتبطة بالتنظيم، بينما قد تنتهي ملفات آخرين بالبراءة أو الإفراج عند عدم كفاية الأدلة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للسوريين، خصوصاً أن منظمات حقوقية أثارت خلال الأشهر الماضية تساؤلات حول آليات نقل المحتجزين من شمال شرقي سوريا إلى العراق، وطالبت بأن يخضع كل ملف لمراجعة فردية وأن يحصل المتهمون على ضمانات المحاكمة العادلة. وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثقت، في تقرير صدر في حزيران الماضي، نقل ما لا يقل عن 6547 محتجزاً إلى العراق منذ عام 2019، بينهم 4743 سورياً، ما يشير إلى أن ملف المحتجزين السوريين أوسع من مجموعة الـ5704 التي تنظر فيها المحكمة العراقية حالياً.
المحاكمة العراقية.. مرحلة طويلة وحساسة
لا يبدو أن انتهاء التحقيق يعني قرب انتهاء الملف بالنسبة لجميع المحتجزين. فالقضاء العراقي أعلن أن المحاكمات ستجري على دفعات، وأن الملف يخضع لقانون مكافحة الإرهاب العراقي وقانون العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية.
كما جهز القضاء قاعة للمحاكمة عن بُعد عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، خصوصاً للمحتجزين الذين يعتبرهم من ذوي الأهمية الأمنية العالية، بهدف تقليل مخاطر نقلهم إلى المحاكم. وأعلن كذلك توفير محامين للمحتجزين، وإجراء فحوص طبية، والسماح بزيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر والبعثات الدبلوماسية.
وهذا يعني أن العراق يتعامل مع القضية باعتبارها ملفاً قضائياً عراقياً كاملاً، وليس مجرد عملية احتجاز مؤقتة لأشخاص جرى نقلهم من الأراضي السورية.
خطر الأحكام القاسية يبقى قائماً
في المقابل، يظل مصير من تثبت صلته بتنظيم “داعش” أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل التشدد الذي يتعامل به القضاء العراقي مع جرائم الإرهاب.
وأعلن القضاء أنه تمكن خلال التحقيقات من تحديد قيادات وعناصر شغلت أدواراً قيادية وأمنية وعسكرية وشرعية وإعلامية، كما حدد ستة متهمين ارتبطت أدوارهم بصورة مباشرة بجرائم تتعلق بسبي واحتجاز ونقل وتجارة الإيزيديات.
وبالنسبة إلى هذه الفئة، فإن العودة إلى سوريا لا تبدو مساراً متاحاً في الوقت الحالي، إذ إن القضية أصبحت مرتبطة بملفات قضائية وأدلة وجرائم تقول بغداد إنها وقعت في العراق أو في إطار نشاط التنظيم الإقليمي والدولي.
ملف يتجاوز العراق وسوريا
القضية في جوهرها لم تعد مجرد ملف أمني بين بغداد ودمشق، بل تحولت إلى أحد أكبر ملفات مكافحة “داعش” متعددة الجنسيات في المنطقة.
فالمحتجزون ينتمون إلى 67 جنسية، بينهم 19 جنسية من دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب جنسيات عربية وأجنبية أخرى. ولذلك يسعى العراق بالتوازي إلى فتح قنوات مع دول مختلفة بشأن نقل بعض المحكومين أو استكمال الإجراءات القانونية المتعلقة برعاياها.
وقد بدأت بغداد بالفعل خطوات باتجاه إعادة بعض الأجانب إلى بلدانهم، فيما أعلنت إطلاق سراح وتسليم محتجزين أمريكي وفنلندي، إلى جانب سبعة عراقيين، بعد عدم ثبوت الأدلة بحقهم.
وماذا عن سوريا بعد انتهاء مرحلة “قسد”؟
مع انتقال ملف شمال شرقي سوريا إلى مرحلة سياسية وأمنية جديدة، يصبح مصير هؤلاء جزءاً من مسؤولية الدولة السورية أيضاً، خصوصاً أن جزءاً كبيراً منهم مواطنون سوريون.
فالعودة المحتملة للـ457 سورياً تمثل اختباراً أولياً لطريقة تعامل دمشق مع هذا الملف: هل سيتم الإفراج عنهم بعد التحقق من هوياتهم وملفاتهم؟ أم ستُفتح تحقيقات سورية جديدة بحق بعضهم؟ وكيف سيتم التعامل مع من تثبت براءته أو عدم كفاية الأدلة ضده؟
كما تبرز قضية أخرى أكثر حساسية، وهي مصير السجلات والأدلة التي جمعتها الجهات التي أدارت السجون والتحقيقات في شمال شرقي سوريا خلال السنوات الماضية. إذ إن أي عملية انتقال مؤسساتي لا تكتمل من دون ضمان عدم ضياع ملفات المحتجزين وسجلاتهم، لأنها قد تكون ضرورية لتحديد المسؤوليات ومنع الإفلات من العقاب، وفي الوقت نفسه لحماية الأشخاص الذين احتُجزوا من دون أدلة كافية.
وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد حذرت من مخاطر فقدان سجلات الاحتجاز والتحقيق والنقل، ودعت إلى إنشاء سجل وطني سوري شامل للمحتجزين الذين نُقلوا إلى العراق، والحصول على قوائم اسمية كاملة ومحدثة.
المصير ليس واحداً
مع انتهاء التحقيقات العراقية، يمكن القول إن ملف السوريين دخل مرحلة الفرز النهائي، لكن من المبكر الحديث عن مصير موحد لجميع المحتجزين.
457 سورياً باتوا على طريق العودة بعد إعلان عدم ثبوت الأدلة بحقهم، بينما يواجه الآخرون محاكمات فردية قد تنتهي بالإدانة أو البراءة أو قرارات أخرى وفق الأدلة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام دمشق وبغداد هو ضمان أن تتحول هذه المرحلة من مجرد عملية أمنية إلى مسار قانوني واضح، يميز بين من تثبت مسؤوليته عن جرائم خطيرة، وبين من بقي محتجزاً لسنوات على أساس الاشتباه أو معلومات غير كافية.
وبالنسبة لسوريا، فإن استعادة مواطنيها الذين لم تثبت بحقهم أدلة، والحصول على ملفاتهم القضائية كاملة، ومتابعة أوضاع من سيبقون قيد المحاكمة، ستكون ملفات أساسية في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع انتقال البلاد إلى بناء مؤسسات دولة موحدة بعد سنوات من تعدد السلطات ومراكز الاحتجاز.
فالملف لم يعد سؤالاً عن أين يوجد هؤلاء؟ بقدر ما أصبح سؤالاً عن من تثبت إدانته، ومن تثبت براءته، ومن يملك الحق في تحديد مصير كل شخص منهم؟