من ساحة السويداء إلى سجن عدرا.. دروز ما زالوا خلف القضبان: ما التهم؟ ولماذا طال الاحتجاز؟
عام على أحداث تموز.. عائلات تبحث عن أبنائها وأسئلة بلا إجابات حول مصير المحتجزين
بعد أكثر من عام على أحداث السويداء الدامية في تموز 2025، لم تُغلق بعد واحدة من أكثر الملفات حساسية التي خلفتها تلك الأحداث: ملف المحتجزين والمفقودين من أبناء الطائفة الدرزية.
وبينما جرت عمليات تبادل أفضت إلى الإفراج عن 119 شخصاً من أبناء الطائفة الدرزية، لا يزال مصير عدد من المفقودين والمحتجزين موضع تساؤل، في وقت كشفت تقارير صحفية عن وصول عدد المحتجزين الدروز في سجن عدرا المركزي إلى نحو 120 شخصاً خلال مرحلة من مراحل الاحتجاز، بينهم قاصرون.
المشكلة لا تكمن فقط في وجود أشخاص خلف القضبان، وإنما في غياب الوضوح القانوني حول أسباب استمرار احتجاز بعضهم، وطبيعة الملفات المنسوبة إليهم، وما إذا كانت الإجراءات القضائية قد اكتملت بحقهم.
من أحداث تموز إلى عدرا
بدأت أحداث السويداء في تموز 2025 في سياق توتر أمني واجتماعي متراكم، قبل أن تتحول خلال أيام إلى مواجهات واسعة شاركت فيها مجموعات محلية، وقوات حكومية، وأطراف مسلحة أخرى.
وأظهرت التحقيقات اللاحقة أن الانتهاكات لم تكن محصورة بطرف واحد. فقد وثقت لجنة التحقيق الوطنية جرائم قتل وتعذيب وسلباً مسلحاً وتخريباً وإحراقاً للممتلكات وإثارة للنزعات الطائفية، وقالت إن أطرافاً متعددة تورطت في الانتهاكات، من بينها مجموعات مسلحة محلية وعناصر مرتبطة بتنظيم داعش وأفراد من القوات الحكومية والأمنية.
وفي المقابل، وثقت منظمة العفو الدولية أدلة على إعدام 46 شخصاً من الدروز على يد عناصر من القوات الحكومية والقوات التابعة لها خلال 15 و16 تموز، مشيرة إلى أن عمليات القتل وقعت في منازل ومدرسة ومستشفى وساحة عامة وقاعة احتفالات.
هذه الوقائع جعلت ملف المحتجزين أكثر تعقيداً؛ فبينما تقول السلطات إن التحقيقات تستهدف مرتكبي الجرائم، تبرز تساؤلات حقوقية حول ضرورة الفصل بين المسؤولية الفردية وبين الاحتجاز الجماعي على خلفية الانتماء إلى طرف من أطراف الصراع.
ما التهم الموجهة إلى المحتجزين؟
لا توجد، وفق المعلومات المنشورة التي أمكن التحقق منها، قائمة قضائية علنية وشاملة تتضمن أسماء جميع المحتجزين الدروز وتوضح التهم الموجهة إلى كل واحد منهم.
وهذه تحديداً إحدى أبرز المشكلات في الملف.
فالتقارير التي تناولت سجن عدرا تشير إلى أن المحتجزين وصلوا إليه بعد احتجازهم في فرع الأمن العسكري في درعا، وأن بعضهم بقي فترة طويلة من دون مسار قضائي واضح بالنسبة إلى ذويه. وتصف التحقيقات وضعهم بأنهم دخلوا السجن باعتبارهم مجموعة مرتبطة بأحداث السويداء، وليس جميعهم كموقوفين أُحيلوا إلى القضاء في دعاوى فردية محددة.
ومن الناحية القانونية، فإن مجرد المشاركة في منطقة شهدت اشتباكات لا يكفي لإثبات ارتكاب جريمة. فالمعيار الطبيعي هو تحديد الفعل المنسوب إلى كل شخص، وتقديم الأدلة عليه، وتمكينه من الدفاع عن نفسه أمام جهة قضائية مستقلة.
هل كل المحتجزين متهمون بجرائم؟
ليس بالضرورة.
فالتحقيقات المتعلقة بأحداث السويداء نفسها أظهرت أن أطرافاً مختلفة ارتكبت انتهاكات، ما يعني أن ملف العدالة لا يمكن أن يقوم على قاعدة أن كل شخص كان موجوداً في منطقة الاشتباك أو ينتمي إلى مجموعة مسلحة هو مسؤول تلقائياً عن الجرائم التي ارتُكبت.
كما أن لجنة التحقيق الوطنية نفسها قالت إن عمليات تبادل المختطفين شملت الإفراج عن 119 شخصاً من الطائفة الدرزية و25 شخصاً من البدو والعشائر والقوات الحكومية، لكنها أقرت في الوقت نفسه ببقاء أشخاص لم تتمكن من تحديد مصيرهم أو أماكن احتجازهم.
وهنا تظهر القضية الأساسية: إذا كان بعض المحتجزين متهمين بجرائم محددة، فلماذا لا تُعلن ملفاتهم وتُحال إلى محاكمات علنية؟ وإذا لم تكن هناك أدلة كافية، فما المبرر القانوني لاستمرار احتجازهم؟
لماذا طال التغييب؟
الجواب يرتبط بتعقيد ملف السويداء نفسه.
فأحداث تموز خلفت آلاف الضحايا والجرحى والنازحين، وتداخلت فيها المواجهات العسكرية مع عمليات خطف وانتقام وانتهاكات ذات طابع طائفي. وأعلنت اللجنة الوطنية في آذار 2026 أن الأحداث أسفرت عن انتهاكات جسيمة من أطراف متعددة، لكنها أقرت أيضاً بأن مصير عدد من المفقودين لم يكن قد حُسم.
وفي ظل هذا التعقيد، أصبح ملف المعتقلين جزءاً من صراع أوسع على الثقة بين أبناء السويداء والحكومة في دمشق.
فالعائلة التي لا تعرف أين يوجد ابنها، أو ما التهمة الموجهة إليه، أو متى سيمثل أمام القضاء، لا تنظر إلى المسألة باعتبارها إجراءً أمنياً مؤقتاً، بل باعتبارها تغييباًَ لمصير إنسان.
الجريمة الأكبر: أن يبقى المصير مجهولاً
أحداث تموز لم تترك جرحاً واحداً في السويداء، بل خلفت سلسلة من الملفات المفتوحة: قتلى، مفقودون، مختطفون، محتجزون، نازحون، ومنازل وممتلكات دمرت.
وقد وثقت لجنة التحقيق الوطنية عمليات تبادل واسعة، لكنها أكدت أن عدداً من الأشخاص بقي مصيرهم مجهولاً.
وهذا يعني أن معركة ما بعد تموز ليست فقط معركة تحديد من أطلق النار أولاً، وإنما معركة كشف الحقيقة كاملة.
فإذا كان بين المحتجزين من ارتكب جرائم قتل أو خطف أو تعذيب، فإن الطريق الصحيح هو محاكمته وفق القانون. وإذا كان بينهم مدنيون لم تثبت بحقهم جرائم، فإن استمرار احتجازهم يتحول إلى عقوبة بلا حكم.
بين العدالة والانتقام
السويداء تحتاج إلى عدالة لا تقوم على الانتقام المتبادل.
فالانتهاكات التي ارتكبتها مجموعات درزية أو عشائرية أو عناصر مرتبطة بالحكومة يجب أن تخضع للمعيار نفسه: تحديد المسؤولية الفردية، جمع الأدلة، محاكمة عادلة، وكشف مصير المفقودين.
وكانت منظمة العفو الدولية قد دعت السلطات السورية إلى محاسبة عناصر القوات الحكومية والقوات التابعة لها المتورطين في عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء التي وثقتها في السويداء. كما أعلنت السلطات في وقت سابق توقيف واستجواب عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية للاشتباه بتورطهم في انتهاكات، وإحالتهم إلى القضاء.
لكن العدالة لا تكتمل بمحاسبة طرف واحد.
السؤال الذي تنتظره العائلات
بعد مرور أكثر من عام على أحداث تموز، لم يعد السؤال بالنسبة إلى عائلات المحتجزين: «إلى أي طرف ينتمي ابننا؟».
السؤال أصبح أبسط وأشد قسوة: أين هو؟ ما التهمة الموجهة إليه؟ هل توجد أدلة ضده؟ ومتى سيقف أمام قاضٍ؟
هذه الأسئلة ليست سياسية، ولا طائفية، ولا مرتبطة بموقف من الحكومة أو الفصائل. إنها الحد الأدنى من حق العائلة في معرفة مصير أحد أفرادها.
وإذا كانت الدولة تريد إغلاق صفحة أحداث السويداء، فإن البداية لا تكون بإخفاء الملفات، بل بفتحها؛ ولا تكون بإطالة الاحتجاز، بل بإظهار الأدلة؛ ولا تكون بتبادل الاتهامات، بل بكشف مصير كل مفقود ومحتجز، أياً كان انتماؤه.
فالجريمة التي لا تُحاسب تتحول إلى ذاكرة انتقام، والمعتقل الذي لا يعرف لماذا هو في السجن يتحول إلى جرح مفتوح في جسد المجتمع.