تدخل محافظة السويداء الساعات الأخيرة التي تسبق انطلاق الدورة الامتحانية الاستثنائية لطلاب شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة، والمقررة اعتباراً من السبت 29 آب، وسط جهود أهلية ومدرسية لتأمين وصول الطلاب إلى مراكزهم، بالتوازي مع استمرار إغلاق طرقات وتحذيرات من نقل الطلاب إلى المراكز الواقعة في ريف المحافظة الشمالي.
وبينما أنهت وزارة التربية والتعليم تجهيز المراكز الامتحانية وتوزيع الطلاب عليها، تحولت مسألة الوصول إلى قاعات الامتحان إلى التحدي الأكثر حساسية، بعدما اصطدمت المبادرات التي أطلقتها مدارس وجمعيات وبلدات ببيانات محلية تهدد بمنع وسائل النقل من العبور.
وتأتي الدورة الاستثنائية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 163 لعام 2026، الذي منح أبناء محافظة السويداء الذين لم يتمكنوا من التقدم إلى امتحانات الدورة الأساسية، أو لم يستكملوا جميع موادهم، فرصة امتحانية إضافية. وكان الهدف المعلن من الدورة معالجة تداعيات الظروف التي حالت دون وصول عدد من الطلاب إلى مراكزهم خلال الدورة الأولى.
مبادرات لتأمين الطريق إلى الامتحان
مع اقتراب موعد الامتحانات، بدأت مدارس وفعاليات أهلية بتنظيم عمليات نقل جماعية للطلاب، في محاولة لتجاوز صعوبة المواصلات وبعد بعض المراكز عن أماكن إقامة الطلاب.
وفي ثانوية «عصام حرب»، جرى العمل على حصر أعداد الطلاب الراغبين بالتقدم للامتحانات من خلال مجموعات التواصل، تمهيداً لتحديد عدد الحافلات المطلوبة. كما أعلنت ثانوية «الشهيد توفيق مزهر للبنات» تأمين حافلة لنقل الطالبات إلى المراكز الامتحانية، مع تحديد موعد مبكر للتجمع والسماح لأولياء الأمور بمرافقتهن لمن يرغب.
وفي بلدة الكفر، أعلنت الجمعية الخيرية تنظيم نقل لطلاب الشهادتين، على أن يتجمع الطلاب في ساعات الصباح الأولى وتنطلق الحافلات برفقة مدرسين وممثلين عن الجمعية وصندوق دعم التعليم والمجلس البلدي.
كما جرى التنسيق في القريا مع مكتب للسفريات لتأمين وصول الطلاب إلى أبواب المراكز الامتحانية وإعادتهم بعد انتهاء الاختبارات، في محاولة لتخفيف العبء عن الأهالي وضمان عدم اضطرار الطلاب إلى البحث عن وسائل نقل فردية في ظل الظروف الأمنية واللوجستية المعقدة.
هذه المبادرات تعكس رغبة لدى قسم من الأهالي في تجاوز الخلافات القائمة وإبقاء العملية التعليمية بعيدة عن التجاذبات، إلا أن المشكلة الأساسية لم تعد مرتبطة بعدد الحافلات المتوافرة فقط، بل بقدرتها على المرور والوصول إلى وجهتها.
قرار بإغلاق الطرق
التحدي الأكبر ظهر مع البيان الصادر عن «غرفة عمليات شهبا» في 26 آب، والذي أعلن رفض إرسال الطلاب إلى مراكز امتحانية تقع في مناطق سيطرة الحكومة، ودعا إلى إغلاق الطرق أمام الآليات التي تنقل الطلاب إلى تلك المراكز.
وحذرت الغرفة سائقي ووسائط النقل من محاولة نقل الطلاب، مهددة بحجز الآليات المخالفة، ومبررة موقفها بالرغبة في ضمان تقديم الامتحانات ضمن بيئة آمنة وقريبة من أماكن سكن الطلاب.
وكانت «غرفة عمليات شهبا» قد اتخذت موقفاً مماثلاً خلال امتحانات الدورة الأولى في أيار، عندما حذرت من نقل الطلاب إلى مراكز خارج مناطق سيطرتها، وهو ما أدى حينها إلى تعثر وصول عدد من الطلاب إلى مراكزهم الامتحانية.
وفي المقابل، ظهرت أصوات أهلية تطالب بعدم تحويل الطلاب إلى طرف في الخلافات السياسية والأمنية، معتبرة أن حق الطالب في الوصول إلى قاعة الامتحان يجب أن يبقى منفصلاً عن الخلافات المتعلقة بمناطق النفوذ والسيطرة.
تحرك الأهالي لاحتواء الأزمة
بعد صدور قرار منع النقل، تحرك عدد من أهالي الطلاب للبحث عن مخرج يحول دون تكرار سيناريو الدورة الأولى.
والتقى وفد من الأهالي، في 27 آب، القاضي شادي مرشد لبحث تداعيات القرار، ونقل الوفد تمسكه بمبدأ ترك حرية التقدم للامتحانات للطلاب وأوليائهم، محذراً من أن منع النقل قد ينقل القضية من إطارها التعليمي والحقوقي إلى أزمة أوسع.
وبحسب ما نقله الوفد، جرى التأكيد على أن البيان الصادر عن غرفة عمليات شهبا لا يمثل بالضرورة موقف جميع الجهات المحلية، وأن العمل جارٍ لمعالجة الملف.
كما توجه الوفد إلى قيادة «الحرس الوطني» لطلب توضيح موقفها من البيان، ونقل أن قياديين فيها أكدا أن البيان لا يمثل قيادة «الحرس الوطني»، وأنه صدر بصورة فردية.
لكن التطورات اللاحقة أعادت الغموض إلى المشهد.
لا قرار بفتح الطرق
في مساء 28 آب، صدر بيان جديد باسم «غرفة عمليات شهبا» نفى صحة بيان متداول منسوب إلى وجهاء مدينة شهبا، كان يتحدث عن السماح للطلاب والمراقبين بالعبور عبر الطرق المغلقة.
وأكدت الغرفة أن البيان المتداول لا يمثلها، وأن الطرقات ما تزال مغلقة أمام الطلاب والمراقبين، ولا يوجد قرار بالسماح لهم بالعبور.
وبذلك، أصبحت المبادرات الأهلية لتأمين الحافلات أمام اختبار عملي حقيقي، إذ إن تأمين وسيلة النقل لا يعني بالضرورة ضمان وصولها إلى المركز الامتحاني.
27 مركزاً جاهزاً.. لكن كيف يصل الطلاب؟
في الجانب الرسمي، أعلنت وزارة التربية والتعليم استكمال تجهيز المراكز الامتحانية المخصصة للدورة الاستثنائية، فيما أكدت محافظة السويداء جاهزية المراكز لاستقبال الطلاب.
وأعلنت المحافظة في 28 آب الانتهاء من تجهيز 27 مركزاً امتحانياً في ريف السويداء الشمالي، مع استكمال القاعات وتوزيع أسماء الطلاب، على أن يتسلم الطلاب بطاقاتهم الامتحانية من المراكز المحددة لهم في اليوم الأول.
وكانت الوزارة قد أعلنت في اليوم السابق إصدار قوائم توزيع الطلاب على المراكز، بحيث يستطيع كل طالب معرفة مركزه ورقم القاعة ومكان الجلوس، ودعت الطلاب إلى الوصول قبل موعد الامتحان بنصف ساعة.
كما أكدت الوزارة أن المراكز جرى تجهيزها وفق المتطلبات الفنية والإدارية اللازمة، في حين شدد وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو على توفير بيئة امتحانية آمنة ومستقرة ومناسبة للطلاب.
لكن الجاهزية داخل المراكز تبقى مرتبطة بعامل أساسي خارجها، وهو قدرة الطلاب على الوصول إليها.
امتحان يتجاوز ورقة الأسئلة
مع بدء الدورة صباح السبت، لا يواجه طلاب السويداء امتحاناً مدرسياً تقليدياً فحسب، بل يجدون أنفسهم أمام اختبار آخر يتعلق بالطريق إلى قاعات الامتحان.
فالحافلات التي جرى تأمينها تحتاج إلى طرق مفتوحة، والطلاب الذين حددت لهم مراكز امتحانية في الريف الشمالي يحتاجون إلى ضمانات عملية للوصول، فيما لا تزال البيانات المتضاربة حول فتح الطرق وإغلاقها تزيد من حالة القلق لدى الأهالي.
وتأتي هذه التطورات في وقت كان يفترض أن تشكل فيه الدورة الاستثنائية حلاً لمشكلة سابقة، بعدما حُرم طلاب من تقديم امتحاناتهم في الدورة الأولى بسبب الظروف الأمنية وصعوبة التنقل. ومن شأن تكرار المشكلة ذاتها أن يفرغ الدورة الاستثنائية من جزء أساسي من الغاية التي أنشئت من أجلها.
وفي ظل تضارب المواقف، يبقى آلاف الطلاب وأهاليهم أمام الساعات الأكثر حساسية، بانتظار معرفة ما إذا كانت الحافلات التي جرى تجهيزها ستتمكن من عبور الطرق والوصول إلى المراكز، أم أن إغلاق الطرق سيعيد إنتاج أزمة الامتحانات الأولى.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن المراكز جاهزة، وتواصل المبادرات المحلية العمل لتأمين النقل، يبقى السؤال الأهم معلقاً حتى اللحظة: هل يصل الطالب إلى ورقة الامتحان، أم يتحول الطريق إليها إلى امتحان جديد بحد ذاته؟