لكل السوريين

أطفال على قارعة الطريق.. ظاهرة مجهولي النسب تكشف وجهاً مؤلماً من الأزمة الاجتماعية في سوريا

من أبواب المنازل والمساجد إلى الشوارع والأماكن العامة.. أطفال يُتركون لمصير مجهول، وسط أعباء اقتصادية واجتماعية ونفسية تزيد من هشاشة الفئات الأكثر ضعفاً

لم يعد مشهد العثور على طفل حديث الولادة متروكاً أمام منزل أو في شارع أو عند باب مسجد خبراً عابراً في المجتمع السوري، بل باتت هذه الحالات تثير أسئلة اجتماعية وإنسانية وقانونية شديدة الحساسية حول الظروف التي تدفع إلى التخلي عن طفل في أيامه الأولى، وحول قدرة المجتمع ومؤسساته على حماية هؤلاء الأطفال وتأمين مستقبلهم.

ورغم صعوبة الحصول على إحصاءات حديثة وشاملة يمكن من خلالها القول إن الظاهرة تشهد ارتفاعاً فعلياً على مستوى سوريا كلها، فإن تواتر أخبار العثور على أطفال مجهولي النسب في مناطق مختلفة، إلى جانب ما خلفته سنوات الحرب من فقر ونزوح وتفكك أسري وتراجع في منظومات الحماية الاجتماعية، يعيد القضية إلى الواجهة باعتبارها ملفاً يتطلب معالجة تتجاوز التعامل مع كل حالة على حدة.

وتشير بيانات رسمية سورية سابقة إلى أن حالات مجهولي النسب كانت موجودة قبل الحرب أيضاً؛ إذ أشارت بيانات نُشرت عند صدور المرسوم التشريعي رقم 2 لعام 2023 إلى أن متوسط تسجيل حالات مجهولي النسب كان نحو 42 طفلاً سنوياً خلال فترة سابقة، مع تسجيل أعلى عدد في عام 2002.

أما المرصد السوري لحقوق الإنسان، فأشار في بيانات سابقة إلى العثور على نحو 70 طفلاً منذ مطلع عام 2020، بعد التخلي عنهم في أماكن مختلفة، بينها الطرقات وأمام المنازل والمساجد وبعض مباني المنظمات الإنسانية.

طفل بلا ذنب

في كل حالة من حالات التخلي عن طفل، توجد قصة مختلفة لا يعرف المجتمع تفاصيلها كاملة.

قد تكون وراء الحالة ظروف اقتصادية قاسية، أو حمل خارج إطار الزواج، أو خوف من الفضيحة الاجتماعية، أو تفكك أسري، أو وفاة الوالدين، أو عجز عن تأمين تكاليف تربية الطفل، أو ظروف أخرى لا يمكن اختزالها في سبب واحد.

لكن النتيجة واحدة: طفل يولد من دون أن يمتلك أي قدرة على اختيار الظروف التي جاء فيها إلى الحياة، ثم يجد نفسه في مواجهة واقع جديد لا يعرف فيه والديه ولا أسرته ولا المكان الذي سينشأ فيه.

ومن هنا، فإن التعامل مع هؤلاء الأطفال بوصفهم مسؤولين عن ظروف ولادتهم يمثل ظلماً مضاعفاً؛ فالطفل ليس طرفاً في أي قرار أدى إلى التخلي عنه، ولا ينبغي أن يتحول مجهول النسب إلى وصمة اجتماعية تلاحقه طوال حياته.

لماذا يتخلى البعض عن أطفالهم؟

لا يمكن تفسير الظاهرة من زاوية أخلاقية واحدة.

فالمجتمع السوري شهد خلال السنوات الماضية تحولات عميقة تركت آثاراً على الأسرة، بدءاً من الحرب والنزوح والفقر والبطالة، وصولاً إلى فقدان أحد الوالدين أو كليهما وتراجع القدرة على توفير احتياجات الأطفال.

كما أن الخوف من الوصمة الاجتماعية في بعض الحالات قد يدفع أمهات إلى إخفاء الحمل أو الولادة، ثم التخلي عن الطفل بعد الولادة خوفاً من الأسرة أو المجتمع.

وهنا تظهر مشكلة أخرى: كلما ارتفعت كلفة الاعتراف الاجتماعي بالحالة، زادت احتمالات اللجوء إلى حلول سرية وخطرة.

ولا يعني ذلك تبرير التخلي عن الطفل، بل محاولة فهم الظروف المحيطة بالظاهرة للوصول إلى حلول تمنع تكرارها وتحمي الطفل قبل أن يصبح ضحية.

الفقر ليس السبب الوحيد

ربط ظاهرة الأطفال مجهولي النسب بالفقر وحده قد يكون تبسيطاً لمشكلة معقدة.

فالفقر قد يجعل تربية الطفل أكثر صعوبة، لكنه لا يفسر جميع الحالات.

هناك عوامل أخرى يمكن أن تتداخل، مثل التفكك الأسري، والعنف داخل الأسرة، والحمل الناتج عن علاقات غير مستقرة، والخوف من الوصمة، وغياب الدعم النفسي والاجتماعي، إضافة إلى ضعف المعرفة بالجهات التي يمكن اللجوء إليها عند مواجهة أزمة أسرية أو حمل غير مخطط له.

كما أن الحرب الطويلة خلقت بيئة اجتماعية أكثر هشاشة، ووسعت دائرة الأسر التي تعاني من الفقد والنزوح والانفصال وتراجع الموارد.

ولهذا فإن معالجة الظاهرة تحتاج إلى فهم اجتماعي ونفسي واقتصادي وقانوني متكامل، وليس إلى إصدار أحكام على الأشخاص من خلف الأخبار المتداولة.

ماذا يحدث للطفل بعد العثور عليه؟

يحدد التشريع السوري إجراءات واضحة للتعامل مع الطفل مجهول النسب.

وبموجب المرسوم التشريعي رقم 2 لعام 2023، يجب على الجهة الشرطية إبلاغ النيابة العامة والجهة المختصة عند العثور على الطفل، وتنظيم ضبط أصولي بالواقعة، ثم وضع الطفل في مشفى عام لإجراء الفحوص اللازمة، إلى أن تستقر حالته الصحية وتستكمل إجراءات نقله إلى «بيوت لحن الحياة».

وتتولى الجهة المختصة لاحقاً تنظيم شهادة ولادة للطفل وتسجيله وفق الإجراءات القانونية، مع حماية سرية المعلومات المتعلقة بواقعة العثور عليه، وعدم الإشارة إلى كونه مجهول النسب في الوثائق الرسمية التي يحملها.

وتكتسب هذه النقطة أهمية كبيرة، لأنها تمنع تحول واقعة العثور على الطفل إلى علامة قانونية واجتماعية تلاحقه في حياته المستقبلية.

الرعاية البديلة.. محاولة لتعويض غياب الأسرة

لا تقتصر معالجة القضية على إيواء الطفل.

فالتشريع ينص على توفير الرعاية والتربية والتعليم والتأهيل وتنمية المواهب والقدرات، مع إمكانية إلحاق الطفل بأسرة بديلة أو مؤسسة رعاية.

وبحسب النص القانوني، يمكن إلحاق الطفل الذي لم يبلغ السابعة من عمره بأسرة بديلة، بينما يلحق من بلغ السابعة أو أكثر بمؤسسة رعاية، مع إمكانية وجود حالات استثنائية تستدعي الرعاية المؤسساتية بغض النظر عن العمر.

وهذا يعني أن الهدف المفترض ليس مجرد إنقاذ الطفل من الشارع، وإنما توفير بيئة مستقرة تساعده على النمو والتعليم والاندماج في المجتمع.

المشكلة تبدأ أحياناً بعد إنقاذ الطفل

إنقاذ الطفل من الشارع يمثل الخطوة الأولى فقط.

فالطفل الذي فقد أسرته الطبيعية يحتاج إلى أكثر من الطعام والملابس والمأوى. يحتاج إلى علاقة آمنة ومستقرة، ورعاية نفسية، وتعليم، ورعاية صحية، وشعور بالانتماء.

وفي حال بقي الطفل داخل مؤسسة رعاية لفترة طويلة، فقد تظهر تحديات أخرى تتعلق بالتعلق العاطفي والاستقرار النفسي والاندماج الاجتماعي، ما يجعل جودة الرعاية وآليات المتابعة أمراً لا يقل أهمية عن عملية الاستقبال نفسها.

ولهذا يجب أن تكون الأسر البديلة، حين تكون مناسبة وآمنة قانونياً واجتماعياً، جزءاً من الحل، إلى جانب المؤسسات المتخصصة والرقابة المستمرة على أوضاع الأطفال.

الوصمة.. خطر آخر يهدد مستقبل الطفل

قد ينجو الطفل من الموت أو البرد أو الجوع، لكنه قد لا ينجو من نظرة المجتمع.

فمصطلحات مثل «لقيط» و«مجهول النسب» يمكن أن تتحول في الاستخدام الشعبي إلى وصمة، خصوصاً عندما تُستخدم بطريقة تحمل احتقاراً أو تمييزاً.

وهنا تكمن إحدى أخطر المشكلات الاجتماعية.

فالطفل قد يكبر ويذهب إلى المدرسة ويبحث عن عمل ويبني علاقاته الاجتماعية، لكنه قد يظل يحمل خوفاً من انكشاف قصته، أو من استخدام ماضيه ضده.

ومن الناحية النفسية والاجتماعية، فإن شعور الطفل بأنه أقل من الآخرين يمكن أن يؤثر في ثقته بنفسه وعلاقاته وقدرته على الاندماج.

لذلك، فإن حماية هؤلاء الأطفال لا تعني حمايتهم جسدياً فقط، بل تعني أيضاً حمايتهم من التنمر والتمييز والابتزاز والاستغلال والوصمة.

الظاهرة تضرب الأسرة والمجتمع معاً

عندما تتكرر حالات التخلي عن الأطفال، فإن القضية لا تبقى محصورة بين طفل وأسرته.

إنها تكشف وجود مشكلات أوسع في المجتمع، من ضعف شبكات الدعم الاجتماعي إلى الفقر والتفكك الأسري، ومن غياب التوعية الجنسية والصحية إلى الخوف من نظرة المجتمع.

كما أن ارتفاع عدد الأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية بديلة يفرض أعباء إضافية على المؤسسات الحكومية والأهلية، في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من الخدمات الاجتماعية من نقص الموارد.

ويحتاج هؤلاء الأطفال إلى مدارس ومراكز صحية وأخصائيين نفسيين واجتماعيين ومؤسسات رعاية وأسر بديلة، ما يجعل القضية جزءاً من منظومة الحماية الاجتماعية بأكملها.

النساء في قلب المشكلة

ومن الخطأ أيضاً التعامل مع ظاهرة الأطفال مجهولي النسب باعتبارها قضية تخص الأطفال فقط.

ففي عدد من الحالات، تكون المرأة نفسها في وضع شديد الهشاشة، خصوصاً عندما تكون وحيدة أو ضحية علاقة استغلالية أو عنف أو حمل غير مخطط له، وتخشى مواجهة الأسرة والمجتمع.

وهنا يمكن أن يؤدي غياب الدعم الاجتماعي والنفسي والقانوني إلى دفع المرأة نحو قرارات خطرة.

لذلك فإن حماية الطفل تبدأ أحياناً قبل ولادته، من خلال توفير قنوات آمنة وسرية للنساء اللواتي يواجهن أزمات أسرية أو حملًا غير مخطط له، وتمكينهن من الوصول إلى المشورة الصحية والنفسية والاجتماعية والقانونية دون خوف من التشهير.

لا يجوز تحويل القضية إلى محاكمة اجتماعية

تثير كل حالة طفل متروك موجة من الغضب والتعاطف على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن نشر صور الطفل أو تفاصيل مكان العثور عليه أو معلومات قد تكشف هويته ليس حلاً.

بل يمكن أن يتحول إلى انتهاك لخصوصيته وحقوقه.

فالطفل لا يحتاج إلى أن يصبح قصة متداولة على مواقع التواصل، وإنما يحتاج إلى الحماية والرعاية.

كما أن نشر اتهامات أو تكهنات حول هوية الأم أو الأب قد يعرّض أشخاصاً للوصمة أو التشهير من دون أدلة، ويضر بالتحقيقات الرسمية.

ومن هنا تبرز مسؤولية الإعلام في تناول هذه الحالات بلغة إنسانية تحفظ كرامة الطفل ولا تحول مأساته إلى مادة للإثارة.

- Advertisement -

- Advertisement -