تدخل المفاوضات بين دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مرحلة أكثر حساسية، مع اقتراب نهاية الشهر الحالي، وسط مساعٍ لاستكمال تنفيذ اتفاق الاندماج وترتيب شكل العلاقة بين المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية ومؤسسات الدولة السورية.
وتتجه الأنظار إلى زيارة قائد «قسد» مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «مسد» إلهام أحمد إلى دمشق، في وقت تبدو فيه ملفات الحقوق الثقافية والتعليم باللغة الكردية وتمثيل الكوادر السياسية والإدارية الكردية داخل مؤسسات الدولة من أبرز نقاط النقاش.
ولا تقتصر أهمية هذه الجولة على الجانب العسكري، إذ بات واضحًا أن المرحلة المقبلة من التفاهمات تتطلب معالجة ملفات مدنية وإدارية وثقافية تراكمت خلال سنوات الحرب، بما يضمن دمج المؤسسات من دون إلغاء خصوصية المناطق والمكونات التي عاشت لسنوات خارج إدارة مركزية مباشرة.
الاندماج لا يعني إلغاء البنية المحلية
وتشير مواقف مظلوم عبدي الأخيرة إلى أن «قسد» لا تتعامل مع الاندماج باعتباره تفكيكًا كاملًا لبنيتها العسكرية والإدارية، بل تسعى إلى صيغة تحافظ على قدر من التنظيم الداخلي ضمن مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، تحدث عبدي عن دمج القوات ضمن تشكيلات جديدة تحت مظلة الجيش السوري، مع الإبقاء على هياكل محلية في مناطق الجزيرة وعين العرب، بما يضمن انتقالًا تدريجيًا بدل تفكيك مفاجئ قد يخلق فراغًا أمنيًا أو إداريًا.
كما طرح عبدي فكرة إنشاء حزب سياسي جديد لا يقوم على أساس قومي، في إشارة إلى رغبة «قسد» و«مسد» في الانتقال من الدور العسكري إلى المشاركة السياسية ضمن المرحلة الجديدة من سوريا.
وتعكس هذه المواقف محاولة للبحث عن نموذج اندماج يحافظ على الكوادر المحلية والخبرات الموجودة، بدل التعامل مع المؤسسات القائمة باعتبارها عبئًا يجب إلغاؤه بالكامل.
التعليم.. العقدة الأكثر حساسية
ويبقى ملف التعليم باللغة الكردية أحد أكثر الملفات تعقيدًا في المفاوضات.
فبينما يطالب الجانب الكردي بالاعتراف بالتعليم باللغة الأم وإعداد المناهج باللغة الكردية، تميل دمشق إلى طرح تدريس اللغة الكردية بصورة اختيارية ضمن المدارس، خشية أن يؤدي اعتماد مناهج مستقلة إلى فتح الباب أمام مطالب مماثلة من مكونات لغوية أخرى في البلاد.
وتأتي هذه القضية في سياق أوسع يتعلق بمستقبل الهوية الثقافية في سوريا، خصوصًا بعد المرسوم رقم 13 الذي أقر الاعتراف بالمواطنين السوريين الكرد باعتبارهم جزءًا أصيلًا من الشعب السوري، وبالهوية الثقافية واللغوية الكردية باعتبارها جزءًا من الهوية الوطنية.
ومن هنا، لا ينظر الجانب الكردي إلى التعليم بوصفه ملفًا إداريًا فقط، بل باعتباره حقًا ثقافيًا أساسيًا وضمانة لاستمرار اللغة والهوية.
وقد شددت إلهام أحمد، قبيل توجهها إلى دمشق، على أن التعليم باللغة الأم حق أساسي، معتبرة أن الاعتراف بهذه الحقوق يمكن أن يساهم في بناء سوريا أكثر استقرارًا وعدالة.
حضور كردي مرتقب داخل مؤسسات الدولة
ولا يتوقف النقاش عند الملفات الثقافية، إذ تبرز مسألة المشاركة السياسية والإدارية باعتبارها أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.
وتتحدث تسريبات عن إمكانية منح شخصيات من «مجلس سوريا الديمقراطي» أدوارًا رسمية داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك مناصب وزارية أو معاونين وموظفين كبار، إلى جانب تحديد موقع رسمي لمظلوم عبدي ضمن مؤسسات الدولة بعد اكتمال عملية الاندماج.
وفي حال تحولت هذه الطروحات إلى اتفاقات فعلية، فإنها ستشكل خطوة مهمة باتجاه نقل العلاقة بين دمشق والقوى الكردية من صيغة التفاوض حول النفوذ المحلي إلى صيغة المشاركة المباشرة في مؤسسات الدولة.
ملفات مدنية تتقدم وأخرى تنتظر الحسم
وبالتوازي مع الملف السياسي والعسكري، شهدت قطاعات مدنية وخدمية خطوات باتجاه الدمج، شملت التربية والصحة والطاقة والكهرباء والمياه والزراعة.
كما جرى العمل على دمج بعض الهيئات المحلية ضمن الوزارات والمؤسسات الحكومية، في حين لا يزال الملف القضائي بحاجة إلى استكمال إجراءات إعادة تفعيل المحاكم والقصر العدلي والمجمعات القضائية.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة لأنها تمس الحياة اليومية للسكان، وتختبر قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية إلى مؤسسات تعمل بصورة موحدة وتقدم الخدمات للسكان بعيدًا عن الازدواجية الإدارية.
ملفات شائكة على الطاولة
رغم التقدم، لا تزال ملفات عدة قيد التفاوض، من بينها وضع الأكراد غير السوريين، ومستقبل بعض التنظيمات والكوادر المرتبطة بالإدارة الذاتية، إضافة إلى القيادات التي لم تدخل بعد في ترتيبات الاندماج.
كما يبرز ملف المعتقلين والمفقودين، إلى جانب قضية المهجرين والنازحين والعوائق التي تحول دون عودتهم إلى مناطقهم، باعتبارها ملفات إنسانية وسياسية تحتاج إلى تفاهمات واضحة.
وتؤكد دمشق أن التعامل مع ملف «قسد» يتم بصبر وتدرج، في حين يرى الجانب الكردي أن نجاح الاندماج يتطلب ضمانات واضحة بشأن الحقوق والتمثيل والهوية الثقافية.
نحو صيغة جديدة للعلاقة
وتبدو المرحلة الحالية مختلفة عن المراحل السابقة؛ فالمفاوضات لم تعد تدور فقط حول مستقبل «قسد» العسكري، وإنما حول شكل الدولة السورية نفسها، وحدود اللامركزية الإدارية، وضمان حقوق المكونات، وآليات المشاركة السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح عملية الاندماج لن يقاس فقط بعدد الوحدات العسكرية التي تدخل ضمن تشكيلات الجيش، بل بقدرة دمشق و«قسد» على بناء صيغة تضمن وحدة الدولة من جهة، وتحافظ على الحقوق الثقافية والسياسية للسكان من جهة أخرى.
ويشكل ملف التعليم باللغة الكردية اختبارًا مبكرًا لهذه المعادلة. فإذا نجح الطرفان في الوصول إلى صيغة تضمن حق السكان في تعليم لغتهم، ضمن نظام تعليمي وطني جامع، فقد يصبح ذلك نموذجًا لمعالجة ملفات أكثر تعقيدًا.
أما إذا بقيت الخلافات حول الحقوق والتمثيل والضمانات دون حلول، فإن ملف الاندماج قد يظل عرضة للتأجيل والمساومات.
وفي المحصلة، تقف دمشق و«قسد» أمام فرصة لإعادة صياغة العلاقة على أساس الشراكة داخل دولة واحدة، بعيدًا عن منطق الغلبة والإلغاء. وبينما تبدو نهاية الشهر محطة مهمة في هذا المسار، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات إلى ضمانات ومؤسسات وقواعد واضحة تحمي حقوق السوريين وتمنع عودة الانقسام إلى الواجهة.