دمشق/ مرجانة إسماعيل
في عيادة د. ريم الحلبي بوسط دمشق، تتناثر صور “قبل وبعد” على الجدران، تروي قصص تحولات لم تكن تخطر على بال. هنا، حيث كانت أصوات الانفجارات تملأ الأجواء قبل سنوات، أصبحت الآن تملأها همسات المرضى وهم يناقشون عمليات التجميل التي سيجرونها. “لم أكن أتخيل أن يومًا ما سأقوم بعمليات تجميل في بلد دمرته الحرب”، تقول الدكتورة ريم بينما تعد حقنة فيلر لمريضة قادمة من ألمانيا.
شهد قطاع الطب التجميلي في سوريا طفرة ملحوظة بعد انتهاء الصراع المسلح، حيث تحول من ترفٍ كان حكرًا على الأثرياء إلى صناعة مزدهرة تجذب السوريين في الداخل والمغتربين على حد سواء. ففي مدن مثل دمشق وحمص وحماة، انتشرت مراكز التجميل التي تقدم خدمات تتراوح بين العمليات الجراحية المعقدة والإجراءات البسيطة مثل البوتوكس والفيلر.
سهام (45 عامًا) التي عادت مؤخرًا من فرنسا لزيارة عائلتها في حمص، قررت إجراء عملية شد الوجه التي طالما حلمت بها. “في باريس، تكلف العملية 15 ألف يورو، بينما هنا دفعت 1500 دولار فقط”، تقول سهام وهي تلمس وجهها بلطف. “الجودة ممتازة والطبيب كان محترفًا جدًا”.
لكن قصة النجاح هذه تخفي تحديًا كبيرًا: فمع أن الأسعار منخفضة بالمقاييس العالمية، إلا أنها لا تزال مرتفعة بالنسبة لمعظم السوريين. فحقنة البوتوكس التي تتراوح بين 30 إلى 75 دولارًا، تعادل راتب شهر كامل لموظف حكومي. وهذا يطرح سؤالًا حول من يستفيد حقًا من هذه الطفرة التجميلية.
د. وسام العبد الله، جراح تجميل في حماة، يوضح: “80% من عملائنا هم من المغتربين أو من العائلات الميسورة في الداخل. للأسف، معظم السوريين العاديين لا يستطيعون تحمل هذه التكاليف”.
العمليات الترميمية تشكل جانبًا مهمًا من عمل مراكز التجميل. فالكثير من المرضى يأتون لإزالة الندوب الناتجة عن الإصابات الحربية أو تصحيح التشوهات الخلقية التي لم يكن بالإمكان علاجها خلال سنوات الحرب. محمد (32 عامًا) من دمشق، الذي أصيب بشظية في وجهه خلال القصف، يقول: “هذه العملية لم تغير مظهري فقط، بل أعادت لي ثقتي بنفسي”.
لكن هذه الصناعة الواعدة تواجه تحديات كبيرة. فعدم الاستقرار الأمني المستمر في بعض المناطق، بالإضافة إلى صعوبة استيراد المواد والمعدات الطبية، يجعل العمل في هذا القطاع مغامرة غير مضمونة النتائج.
ناديا (28 عامًا)، خريجة طب جديدة من حمص، اختارت التخصص في الجراحة التجميلية رغم تحذيرات أساتذتها. “هذا التخصص يوفر فرص عمل ومداخيل أفضل بكثير من التخصصات الأخرى”، تقول ناديا بحماس. “لكن التحدي الحقيقي هو الحصول على التدريب المناسب والمواد ذات الجودة”.
جهود تنظيمية بدأت تظهر لضمان جودة الخدمات وتقليل المخاطر. فوزارة الصحة السورية قامت بترخيص 60 مركز تجميل حتى الآن، مع وجود 4 مراكز أخرى قيد الترخيص. هذه المراكز تخضع لمعايير محددة، حيث لا يسمح بممارسة الجراحة التجميلية إلا لأطباء متخصصين في الجلدية أو الجراحة التجميلية.
د. باسل قنواتي، مدير المراكز الخاصة في وزارة الصحة، يؤكد: “نعمل على ضبط جودة الخدمات ومراقبة الممارسات غير القانونية. صحة المواطن هي أولويتنا القصوى”.
رغم كل التحديات، فإن مستقبل قطاع التجميل في سوريا يبدو واعدًا. فتدني التكاليف مقارنة بالدول المجاورة، مقارنةً مع الخبرة المتراكمة للأطباء السوريين، يجعل من سوريا وجهة جذابة للسياحة العلاجية.
سارة (35 عامًا) من لبنان، التي جاءت خصيصًا إلى دمشق لإجراء عملية تجميل الأنف، تقول: “التكلفة هنا ربع ما هي عليه في بيروت، والنتيجة رائعة. نصحتُ جميع صديقاتي بالقدوم إلى سوريا لهذه الغاية”.
لكن الخبراء يحذرون من المخاطر التي قد ترافق هذه الطفرة. د. لينا ديوب، استشارية في الطب التجميلي، تحذر: “بعض المراكز غير المرخصة تستخدم مواد رخيصة الثمن قد تكون خطيرة. على المرضى التأكد من ترخيص المركز وخبرة الطبيب قبل أي إجراء”.
كما أن الظروف الاقتصادية الصعبة تدفع بعض الأطباء إلى خفض التكاليف باستخدام مواد قد لا تكون بالمستوى المطلوب. أحمد (40 عامًا) من حماة، يروي تجربته المؤلمة: “دفعت مدخراتي لعملية شفط دهون، ولكن النتيجة كانت كارثية. الآن أندم أنني لم أتحقق من خبرة الطبيب وسمعته”.
رغم هذه التحديات، فإن قطاع التجميل في سوريا يمثل قصة ملهمة للصمود والتكيف. فمن بين أنقاض الحرب، نشأت صناعة جديدة تمنح الأمل وتعيد الثقة للناس، وتشكل مصدر دخل للكثير من العائلات.
كما يقول د. وسام: “كل عملية نجريها ليست مجرد تغيير في المظهر، بل هي خطوة نحو التعافي النفسي لشعب عانى كثيرًا. نحن لا نغير الوجوه فقط، بل نعيد البسمة إلى قلوب أنهكتها الحرب”.
في الشوارع المحيطة بمراكز التجميل في دمشق وحمص وحماة، يمكن رؤية المرضى القادمين من مختلف المناطق، يحملون في عيونهم أمل التغيير. هم لا يبحثون عن الكمال، بل عن قطعة من الاستقامة في حياة مزقتها الحرب. وفي كل عملية ناجحة، تروي سوريا قصة جديدة من قصص الصمود والانبعاث.