لكل السوريين

مجلس الشعب السوري… هل يعكس إرادة السوريين أم يعيد إنتاج الإقصاء؟

عندما تمر دولة بمرحلة انتقالية بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، فإن أول ما ينتظره المواطنون ليس مجرد تشكيل مؤسسات جديدة، بل بناء مؤسسات تعكس واقع البلاد وتنوعها، وتعيد الثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع. ومن هذا المنطلق، جاء الإعلان عن التشكيلة الجديدة لمجلس الشعب السوري مخيباً لآمال كثير من السوريين الذين كانوا ينتظرون بداية مختلفة تؤسس لعقد سياسي جديد يقوم على المشاركة الحقيقية، لا على إعادة إنتاج أساليب الماضي.

القضية ليست في أسماء الأشخاص الذين جرى تعيينهم، بل في الفلسفة التي قامت عليها عملية التشكيل. فالمجلس الذي يُفترض أن يكون ممثلاً للشعب، وأن يعبّر عن تطلعاته وهمومه، لا يكتسب شرعيته من قرار تعيين، وإنما من قدرته على تمثيل مختلف السوريين، بمكوناتهم القومية والدينية والسياسية والاجتماعية، وبما يعكس التنوع الذي لطالما كان سمة أساسية لسوريا.

لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية، ليس فقط بسبب الحرب، وإنما أيضاً بسبب غياب المشاركة السياسية الحقيقية، واحتكار القرار، وإقصاء شرائح واسعة من المجتمع عن صناعة مستقبل البلاد. وكان من المفترض أن تكون المرحلة الانتقالية فرصة تاريخية لتجاوز هذه الممارسات، عبر بناء مؤسسات تستند إلى الكفاءة والتعددية والتمثيل العادل، إلا أن طريقة تشكيل المجلس أعادت إلى الأذهان النهج الذي يقوم على اختيار ممثلين من الأعلى، بدلاً من منح السوريين الحق في اختيار من يمثلهم.

ولا يتعلق الأمر بمكون سوري بعينه، فالكرد، والعرب، والسريان، والآشوريون، والتركمان، والشركس، والأرمن، إلى جانب مختلف القوى السياسية والمجتمعية، جميعهم جزء من النسيج الوطني السوري. إن أي مؤسسة تدّعي تمثيل الشعب السوري لا بد أن تعكس هذا التنوع بصورة واضحة، ليس باعتباره مجرد ديكور سياسي، بل بوصفه أساساً لبناء دولة المواطنة المتساوية.

كما أن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى بناء الثقة أكثر من أي شيء آخر. والثقة لا تُفرض بالقرارات، بل تُبنى من خلال إشراك جميع الأطراف في صياغة مستقبل البلاد. أما عندما يشعر جزء من السوريين بأنهم خارج معادلة التمثيل، فإن ذلك يكرس الإحساس بالتهميش، ويجعل الحديث عن الوحدة الوطنية أقل إقناعاً.

إن التمثيل الحقيقي لا يقاس بعدد المقاعد التي تُمنح لهذا المكون أو ذاك، بل بوجود آليات شفافة تضمن تكافؤ الفرص، وتسمح للمجتمع بأن يعبر عن إرادته بحرية. لذلك، فإن أي مجلس يتم تشكيله بعيداً عن انتخابات حرة وشاملة سيظل موضع نقاش حول مدى تمثيله للإرادة الشعبية، مهما كانت النوايا المعلنة وراء تشكيله.

ولا يمكن للحكومة السورية أن تتحدث عن بناء دولة جديدة بينما تستمر في اعتماد أدوات قديمة لإدارة الحياة السياسية. فسوريا الجديدة، التي يتطلع إليها ملايين السوريين، تحتاج إلى تغيير في أسلوب الحكم قبل تغيير الأشخاص، وإلى مؤسسات تنبع شرعيتها من الشعب، لا من التعيينات.

إن الاستقرار السياسي لا يتحقق عبر مؤسسات تبدو مكتملة شكلياً، بل عبر مؤسسات تحظى بثقة المواطنين. وهذه الثقة لا تُكتسب إلا عندما يشعر كل سوري، بغض النظر عن قوميته أو دينه أو انتمائه السياسي أو منطقته، بأنه حاضر في مؤسسات الدولة، وأن صوته له قيمة، وأن مستقبله يُصنع بمشاركته لا بالنيابة عنه.

اليوم، تقف الحكومة السورية أمام اختبار حقيقي. فإذا كانت جادة في الحديث عن بناء دولة المواطنة والعدالة، فإن عليها أن تثبت ذلك بالأفعال لا بالخطابات، وأن تفتح الباب أمام عملية سياسية أكثر شمولاً، تقوم على الحوار مع جميع القوى الوطنية، وإشراك مختلف المكونات في صناعة القرار، والتمهيد لانتخابات حرة ونزيهة تكون الفيصل في تحديد من يمثل السوريين.

لقد أثبتت التجارب، في سوريا وفي غيرها، أن الدول التي تُبنى على الإقصاء لا تعرف الاستقرار طويلاً، وأن المجالس التي لا تنبثق من إرادة المجتمع تبقى مؤسسات محدودة التأثير مهما امتلكت من صلاحيات. أما الدولة التي تقوم على الشراكة الحقيقية، واحترام التنوع، وسيادة القانون، فهي وحدها القادرة على تجاوز آثار الحرب، واستعادة ثقة مواطنيها.

إن سوريا ليست ملكاً لحكومة، ولا لحزب، ولا لمكون واحد. إنها وطن لجميع أبنائها. ومن هنا، فإن أي مؤسسة وطنية يجب أن تكون مرآة لهذا التنوع، لا أن تعكس رؤية طرف واحد أو توازنات ضيقة. فالدولة التي يحلم بها السوريون لا تُبنى بالتعيين، بل بالإرادة الشعبية، ولا تُحكم بالإقصاء، بل بالشراكة، ولا تستقر إلا عندما يشعر الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن والقرار والمستقبل.

- Advertisement -

- Advertisement -