حمص/ بسام الحمد
بدأت محافظة حمص مؤخراً حملة واسعة لترحيل الأنقاض الناتجة عن سنوات الحرب والدمار في أحياء المدينة القديمة، ضمن خطة متكاملة لإعادة الإعمار وتحسين الواقع المعيشي للسكان. هذه الخطوة، التي تعتبر أولى مراحل إعادة بناء المدينة، تستهدف إزالة الحطام من الشوارع والأحياء المدمرة، وتدويره لاستخدامه في مشاريع البناء الجديدة، ما يقلل من التكاليف ويزيد من كفاءة إعادة الإعمار.
في أحياء مثل حي باب هود وحي الزهراء، يمكن ملاحظة آليات كبيرة تعمل منذ ساعات الصباح الأولى على رفع الركام ونقله إلى مواقع مخصصة. الآليات تشمل جرافات وشاحنات نقل كبيرة، وفِرقاً ميدانية تقوم بفرز الأنقاض إلى أجزاء صالحة للبناء وأخرى غير صالحة. فواز، مهندس إشراف على إحدى فرق العمل، يقول: «نحن نعمل على إزالة الأنقاض القديمة، ونفصل الحجارة والخرسانة الصالحة لإعادة الاستخدام. الهدف ليس فقط تنظيف الشوارع، بل خلق مواد بناء مستدامة يمكنها أن تساهم في مشاريع إعادة الإعمار».
تدوير الأنقاض أصبح جزءاً أساسياً من الخطط المحلية، حيث يتم استخدام بعض الحجارة والخرسانة المكسرّة في تعبيد الشوارع أو كقاعدة أساس للمباني الجديدة. هذا النهج يقلل الاعتماد على الموارد الطبيعية الجديدة ويخفض كلفة مشاريع البناء، ويعتبر خطوة ذكية نحو استدامة عملية إعادة الإعمار. بعض الأهالي يصفون العملية بأنها «مزيج بين إعادة الحياة للمدينة وإعادة الحياة للمواد نفسها»، حيث تتحول أنقاض البيوت القديمة إلى أساس لمنازل جديدة، تعكس إرادة المدينة في النهوض بعد سنوات من الدمار.
في أحد الشوارع التي كان الركام يملؤها، تحدثت مروة من حي باب هود، قائلةً: «كل يوم كنت أمشي في الشارع وأشوف الركام. الآن، عندما أرى الشاحنات والجرافات، أشعر أننا بدأنا صفحة جديدة. الأنقاض القديمة تتحول إلى شيء مفيد، وهذا يخفف من الشعور بالدمار المستمر».
إضافة إلى ذلك، تعمل المحافظة على فصل المواد الضارة أو الملوثة عن الأنقاض، لضمان سلامة العملية وإمكانية استخدامها بشكل آمن في البناء. فرق خاصة تقوم بفرز المعادن والبلاستيك والزجاج، حيث يتم إعادة تدويرها أو التخلص منها بطرق مناسبة. هذا النهج يعكس اهتمام السلطات بدمج مفاهيم البيئة والاستدامة في مشاريع إعادة الإعمار، وهو أمر مهم لحماية الصحة العامة ومنع انتشار الأوبئة في مناطق كانت مدمرة لفترات طويلة.
المخطط يشمل كذلك تحويل بعض الأنقاض إلى مواد قابلة للاستخدام في مشاريع عامة، مثل تعبيد الأرصفة وصيانة الطرق الداخلية للأحياء، وهو ما يتيح للفريق العمل بشكل مستمر دون انتظار موارد خارجية. المهندس فواز أوضح: «نحن نعمل وفق خطة مدروسة. كل جزء من الأنقاض له قيمة، وإذا تم الاستفادة منه بشكل صحيح، يمكن أن يختصر زمن إعادة البناء ويخفض التكاليف، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل الموارد المحدودة».
أثر هذه الحملة لا يقتصر على البنية التحتية فحسب، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي للسكان. إزالة الركام من الشوارع والأحياء تتيح للأطفال العودة إلى اللعب في أماكن آمنة، وتفتح المجال أمام السكان للعودة إلى حياتهم الطبيعية تدريجياً. كما توفر فرص عمل مؤقتة للشباب والعاطلين عن العمل، من خلال المشاركة في فرق جمع وفرز وترحيل الأنقاض، ما يقلل من الضغوط الاقتصادية على بعض الأسر.
كما تشير بعض المشاهد اليومية إلى أن المواد المعاد تدويرها بدأت تُستخدم فعلياً في مشاريع الإسكان الجديدة، خصوصاً في الأحياء التي تأثرت بالدمار الكبير، مثل حي الزهراء وحي الحميدية. ويعتبر هذا التطبيق نموذجاً عملياً لكيفية تحويل الأزمات إلى فرص، حيث يتحول الركام المادي والرمزي إلى أساس لمستقبل أفضل، ويعكس رغبة السلطات المحلية في إعادة الحياة للمدينة بشكل منظم ومستدام.
في أحد أزقة حي الخالدية، وقفت ليلى، امرأة تجاوزت الخمسين، تنظر إلى بقايا جدار منزل مهدّم كانت تعيش فيه مع أبنائها. قالت برنة ألم مختلط بالأمل: «إذا بدنا نرجع، لازم نشوف أول شارع نظيف. لما يشيلوا الركام، بفضل الله الأولاد بيرجعوا يلعبوا، والجيران بيرجعوا يتحادثوا. حجر ورخام وأعمدة… ممكن ترجع ذكرى جميلة إذا اشتغلنا صح».
المهندس المشرف على المشروع، فراس، يؤكد أن هدف المرحلة الأولى ليس فقط تنظيف الأحياء، بل تجهيز الأرض لاستقبال مشاريع بناء وترميم. ويشير إلى أن تدوير الأنقاض يوفر جزءاً من مواد البناء المطلوبة، ما يقلل الكلفة ويُسرّع وتيرة إعادة الإعمار، خصوصاً في ظل ندرة الموارد.
من جهة أخرى، يرى البعض أن هذه الخطوة بمثابة اختبار لمدى جدية إعادة الإعمار: هل ستكون مجرد إزالة حطام؟ أم بداية لسلسلة من الترميمات والعمليات الإنشائية الجدية؟ عمر، شاب يعمل مع ورش التدوير، يعبر عن تخوفه من تأخر الدعم: «إذا ما بلشنا نبني بعد، الأحجار تضل كومة… والناس تتعب مرتين: مرة من الحرب، ومرة من الانتظار».
بالرغم من الصعوبات والمخاوف، هناك رغبة جماعية، بين السكان، العائدين، والجهات الرسمية، في أن تتحول حمص من مدينة تحت الركام إلى مدينة تبنى على أنقاضها. المبادرات المحلية، دعم المجتمع، وإطلاق مشاريع رسمية، كلها تهدف إلى إعادة الحياة إلى أحيائها القديمة. كما يراها كثيرون بداية لعودة المهجّرين إلى بيوتهم، وتحريك عجلة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وإعطاء أمل لمن نزح طويلاً.
ويُنظر إلى ترحيل الأنقاض وتدويرها في حمص ليس كخدمة تنظيف عابرة، بل كخطوة استراتيجية نحو إعادة إعمار متكامل، حجر بعد حجر، شارع بعد شارع، تستعيد فيه المدينة حضارتها، وكرامتُها، وذخرها الاجتماعي، وتمنح أبنائها فرصة جديدة للعيش بكرامة وأمان.