حلب بين نجاحات محدودة وإخفاقات كبيرة… أين ذهبت وعود التعافي؟
سكان العاصمة الاقتصادية يشيدون بتحسن الأمن والكهرباء لكنهم يتساءلون عن غياب الاستثمارات واستمرار تدهور القدرة الشرائية
السوري ـ حلب
لم تعد المدينة التي عرفها السوريون خلال سنوات الحرب الطويلة. فالشوارع التي كانت تغرق في الظلام تستعيد أضواءها تدريجياً، والأسواق التي خفتت حركتها بدأت تستقبل المتسوقين من جديد، فيما تبدو الحياة اليومية أكثر استقراراً مما كانت عليه قبل سنوات قليلة. لكن خلف هذه الصورة التي تحمل بعض مظاهر التعافي، تتوارى أسئلة ثقيلة تتعلق بمستقبل المدينة الاقتصادي، وبقدرة السلطة الجديدة على الوفاء بالوعود التي أغرقت بها السوريين منذ سقوط النظام السابق.
بعد نحو عام ونصف العام من التحولات السياسية الكبرى، يجد الحلبيون أنفسهم أمام واقع متناقض؛ فمن جهة، تحققت إنجازات ملموسة في ملفات الأمن والخدمات الأساسية، ومن جهة أخرى، لا تزال الملفات الاقتصادية الأكثر أهمية تراوح مكانها، وسط شعور متزايد بأن الوعود الحكومية سبقت الإمكانات والنتائج.
مدينة استعادت الضوء… ولكن ليس الازدهار
يكفي أن يتجول الزائر في وسط حلب ليلاحظ أن المدينة تبدو أكثر حيوية مما كانت عليه قبل عام. الإنارة العامة تحسنت بصورة واضحة، وأحياء عديدة باتت تنعم بساعات كهرباء أطول، فيما تراجعت مشاهد العتمة التي كانت سمة يومية للمدينة خلال السنوات الماضية.
ويعزو مسؤولون هذا التحسن إلى إعادة تأهيل أجزاء واسعة من منظومة الكهرباء وتوفير الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد. كما لعبت مشاريع الطاقة الشمسية، التي انتشرت بشكل واسع بين الأهالي والمؤسسات الخاصة، دوراً مهماً في تخفيف الضغط على الشبكة العامة.
لكن هذا التحسن لا يخفي أزمة أخرى أكثر عمقاً. فالكهرباء التي عادت إلى كثير من الأحياء جاءت مصحوبة بفواتير مرتفعة لا تتناسب مع دخول غالبية السكان. ويقول اقتصاديون إن تكلفة الخدمات الأساسية ما تزال أعلى من قدرة شريحة واسعة من السوريين، ما يجعل التحسن الخدمي إنجازاً ناقصاً ما لم يترافق مع تحسن فعلي في مستوى المعيشة.
ويشير مراقبون إلى أن الحكومة نجحت نسبياً في معالجة بعض النتائج الظاهرة للأزمة، لكنها لم تقدم حتى الآن حلولاً مستدامة للأسباب الاقتصادية التي أنتجتها.
الأمن… الإنجاز الأبرز
إذا كان هناك ملف يحظى بإجماع نسبي بين سكان المدينة، فهو الملف الأمني.
فبعد سنوات من الفوضى وانتشار الجريمة والخوف من التنقل ليلاً، استعادت حلب جزءاً كبيراً من استقرارها. ويؤكد سكان ورجال أعمال أن الحركة في المدينة أصبحت تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل، وأن الأسواق والمطاعم والمقاهي استعادت جزءاً من نشاطها المفقود.
كما ساهم استكمال أعمال ترميم أجزاء واسعة من المدينة القديمة في إعادة الحياة إلى أحد أهم المراكز التجارية والتاريخية في سوريا.
وفي الوقت نفسه، تواصل الأجهزة الأمنية حملات مكافحة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة، مع إعلان متكرر عن ضبط شحنات كبيرة وإحباط عمليات تهريب عبر الحدود. كذلك تستمر ملاحقة مسؤولين سابقين متهمين بالتورط في انتهاكات خلال عهد النظام السابق.
هذه التطورات دفعت كثيرين إلى اعتبار الأمن أحد أبرز النجاحات التي حققتها المرحلة الجديدة. غير أن مراقبين يرون أن تثبيت الأمن، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
اقتصاد خارج غرفة الإنعاش… لكنه لم يتعافَ
رغم التحسن الأمني والخدمي، لا تزال المؤشرات الاقتصادية بعيدة عن طموحات السوريين.
فحلب التي كانت لعقود القلب الصناعي لسورية، تعاني اليوم من تراجع الإنتاج المحلي وضعف الأسواق وتآكل القدرة الشرائية. وتعكس جولات سريعة في الأسواق حجم التناقض القائم؛ فالمحال ممتلئة بالبضائع، لكن حركة الشراء لا تزال محدودة مقارنة بما كانت عليه المدينة في سنوات الاستقرار.
ويرى صناعيون أن المشكلة الأساسية تكمن في انخفاض دخل المواطنين إلى مستويات غير مسبوقة، ما أدى إلى تقلص الطلب على المنتجات المحلية، ودفع كثيراً من المصانع إلى تخفيض إنتاجها أو إغلاق أبوابها بشكل كامل.
ويقول أحد الصناعيين في المدينة إن الصناعة الحلبية تواجه معركة بقاء حقيقية، موضحاً أن معظم المنشآت العاملة اليوم تكتفي بتحقيق أرباح محدودة بالكاد تسمح باستمرار التشغيل والحفاظ على فرص العمل.
ويضيف أن استمرار هذا الواقع يهدد مكانة حلب التاريخية كعاصمة اقتصادية لسورية وإحدى أهم المدن الصناعية في المنطقة.
الحكومة تحت ضغط الأسئلة
على الرغم من الخطاب الرسمي المتفائل، تتزايد التساؤلات في الأوساط الاقتصادية حول أسباب بطء التعافي.
فمنذ سقوط النظام السابق، أعلنت السلطات الجديدة عن سلسلة من المشاريع والخطط الاقتصادية، وتحدث مسؤولون مراراً عن تدفق مرتقب للاستثمارات وفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد السوري. إلا أن النتائج على الأرض بقيت محدودة، الأمر الذي وسّع الفجوة بين الوعود والتوقعات من جهة، والواقع الاقتصادي من جهة أخرى.
ويقول خبراء إن التحدي لم يعد في إطلاق التصريحات أو توقيع مذكرات التفاهم، بل في تحويل هذه التعهدات إلى مشاريع حقيقية توفر فرص عمل وتحرك عجلة الإنتاج.
ويضيف هؤلاء أن الحكومة نجحت في بناء حالة من التفاؤل خلال الأشهر الأولى من المرحلة الجديدة، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تقديم إنجازات اقتصادية تتناسب مع حجم الآمال التي علقتها عليها شرائح واسعة من السوريين.
الاستثمارات الغائبة
في فنادق المدينة وقاعات الأعمال، لا تزال أحاديث الاستثمار تحتل مساحة واسعة من النقاشات، لكن الواقع مختلف تماماً.
فالشركات الأجنبية التي أبدت اهتماماً بالسوق السورية ما تزال تتعامل بحذر شديد. ورغم التسهيلات التي تتحدث عنها السلطات، لم يتحول معظم الاهتمام المعلن إلى استثمارات فعلية على الأرض.
ويشير رجال أعمال أتراك إلى أن السوق السورية تمتلك فرصاً كبيرة، خصوصاً في مدينة مثل حلب القريبة من الحدود التركية، إلا أن المخاوف المتعلقة بالاستقرار السياسي، وكفاءة المؤسسات الحكومية، وآليات اتخاذ القرار، ما تزال تشكل عوائق حقيقية أمام ضخ استثمارات واسعة.
كما أن ضعف القدرة الشرائية للسكان يقلل من جاذبية السوق بالنسبة للمستثمرين، الذين يبحثون أولاً عن بيئة قادرة على تحقيق عوائد اقتصادية مجزية.
المصارف… الحلقة المفقودة
يمثل القطاع المصرفي أحد أكثر الملفات إثارة للانتقاد داخل سورية اليوم.
فعلى الرغم من الحديث المتكرر عن رفع العقوبات الدولية وعودة الانفتاح الاقتصادي، لم يلمس المواطنون ورجال الأعمال تغيراً جوهرياً في قدرة المصارف على أداء دورها الطبيعي.
ولا تزال التحويلات المالية الخارجية تواجه قيوداً كبيرة، كما أن الخدمات المصرفية الحديثة التي وعد بها المسؤولون لم تتحول إلى واقع ملموس.
ويعتبر اقتصاديون أن استمرار هذا الجمود يشكل أحد أكبر العوائق أمام الاستثمار وإعادة الإعمار، لأن أي اقتصاد لا يمكن أن يتحرك بصورة طبيعية دون قطاع مصرفي قادر على تسهيل حركة الأموال وتمويل المشاريع.
ويرى مراقبون أن الحكومة تتحمل جزءاً من المسؤولية بسبب الإفراط في رفع سقف التوقعات لدى المواطنين قبل إنجاز المتطلبات الفعلية لهذه الخطوات.
أسواق مزدحمة وناس يشتكون
في الأيام التي تسبق الأعياد والمناسبات، تبدو أسواق حلب مزدحمة ومليئة بالحركة. لكن هذا الازدحام لا يعكس بالضرورة تحسناً في الأحوال المعيشية.
فالقاسم المشترك بين معظم السوريين اليوم هو الشكوى من اتساع الفجوة بين الرواتب والأسعار. وبينما ارتفعت تكاليف الحياة بشكل متواصل، بقيت المداخيل عاجزة عن مواكبة هذا الارتفاع.
ولهذا السبب، لم تعد القضايا السياسية أو الخدمية تحتل المرتبة الأولى في اهتمامات كثير من المواطنين، الذين باتوا ينظرون إلى القدرة على تأمين احتياجاتهم اليومية باعتبارها المعيار الحقيقي للحكم على أداء السلطات.
بين التفاؤل وخيبة الانتظار
لا يمكن إنكار أن حلب تغيرت مقارنة بسنوات الحرب والفوضى. الأمن أفضل، والخدمات تحسنت، والمدينة استعادت جزءاً من نبضها المفقود. لكن هذه النجاحات لا تبدو كافية لإقناع السكان بأن مرحلة التعافي الحقيقي قد بدأت.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن مشاريع واستثمارات وانفراجات قريبة، لا يزال المواطن العادي ينتظر نتائج ملموسة يشعر بها في راتبه وفرص عمله ومستوى معيشته.
وبينما تتكرر الوعود الرسمية بحدوث اختراق اقتصادي خلال الأشهر المقبلة، تتزايد الأسئلة في الشارع الحلبي: لماذا لم تصل الاستثمارات التي جرى الحديث عنها؟ ولماذا بقيت المصارف عاجزة عن استعادة دورها؟ وما الذي يمنع ترجمة الاتفاقيات المعلنة إلى مشاريع حقيقية؟
حتى الآن، لا توجد إجابات واضحة. ولذلك تبدو حلب مدينة معلقة بين نجاحات محدودة تحققت بالفعل، وإخفاقات كبيرة ما تزال تعرقل طريقها نحو التعافي الكامل، فيما يواصل سكانها انتظار اللحظة التي تتحول فيها الوعود إلى واقع.