لكل السوريين

أزمة التوظيف في سوريا.. بين عشوائية التعيينات وتصاعد البطالة وتحديات الإصلاح الإداري

تقرير/ اـ ن

منذ عقود طويلة، ظل ملف التوظيف في القطاع العام واحداً من أكثر الملفات إشكالية في سوريا، إذ ارتبط دائماً بسلسلة من القوانين المتبدلة والتعليمات الاستثنائية التي حكمت آليات التعيين، فغيبت النظامية والوضوح، وفتحت الباب أمام العشوائية والمحسوبيات.

ففي السابق، كان الموظف الجديد يباشر عمله بعد المرور عبر مسار إداري محدد يبدأ من قسم الشؤون الإدارية، ثم يُحال إلى الجهاز المركزي للرقابة المالية لاعتماد الملاك والتثبيت. ولم يكن أي موظف يدخل الخدمة قبل استكمال أوراق التعيين النظامية، ابتداءً من مذكرة المباشرة ووصولاً إلى كامل الوثائق الرسمية.

غير أن هذا النظام تغير اليوم بشكل لافت، حيث لم يعد هناك أوراق تخص المدراء الجدد أو الموظفين الذين جرى تعيينهم، فلا عقود، ولا مذكرات مباشرة، ولا حتى قرارات انفكاك أو تثبيت، ورغم ذلك ما تزال بعض الوزارات، كوزارة التربية والتعليم، تواصل الإعلان عن مسابقات مركزية، كان آخرها مسابقة لانتقاء مشرفين تربويين وإداريين من داخل الملاك، هذا التفاوت بين السياسات المعتمدة في القطاعات المختلفة، إلى جانب غياب التوضيحات الرسمية حول مصير العقود الموقتة وآلية التعامل معها، يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الوظيفة العامة.

في الوقت نفسه، تتفاقم أزمة البطالة على نحو غير مسبوق، خصوصاً في المحافظات الساحلية، حيث تبدو حكومة الأمر الواقع مسؤولة بشكل مباشر عن تضخم أعداد العاطلين عن العمل في الساحل وسائر المناطق. وعلى الرغم من إطلاقها وعوداً متكررة بتأمين مئات الآلاف من فرص العمل، فإن هذه الوعود تبقى مجرد حبر على ورق، بينما تعجز في الواقع عن توفير فرصة واحدة حقيقية. ويشير تقرير برنامج الأمم المتحدة لهذا العام إلى أن واحداً من كل أربعة سوريين عاطل عن العمل، في حين تتجاوز نسبة البطالة 60%.

وقد ازدادت معدلات البطالة مؤخراً مع فصل أعداد كبيرة من العاملين في مؤسسات القطاع العام، لا سيما من أبناء الساحل، تحت ذريعة “إعادة الهيكلة ومحاربة الفساد”، بحجة أنهم فائضون أو أسماء وهمية.

كما أقدمت العديد من منشآت القطاع الخاص على تقليص عدد موظفيها أو إغلاق أبوابها نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية في ظل حالة الركود التي تخنق الأسواق. وزاد الوضع سوءاً مع تواصل موجات هجرة الكفاءات والخبرات نحو بلدان تتيح فرص عمل أفضل، تاركة خلفها فراغاً يصعب تعويضه.

أما الباحث عن عمل داخل البلاد فقد وصل اليوم إلى مرحلة القبول بأي فرصة، حتى لو كانت بعيدة عن مؤهلاته أو خبراته التعليمية، وبأجر زهيد ومن دون أي ضمانات اجتماعية أو تأمينية، وكل ذلك فقط من أجل تأمين لقمة العيش.

هذه العوامل مجتمعة جعلت من أزمة البطالة وجهاً صارخاً من وجوه الكارثة الإنسانية التي يعيشها المواطن السوري، وأبرزت الحاجة الماسة إلى دور حكومي فاعل يعالج الأزمة عبر سياسات مباشرة ومتكاملة، بعيداً عن الاعتماد المبالغ فيه على الاستثمارات الأجنبية أو الخاصة.

وبحسب القانون الأساسي للعاملين رقم 50 لعام 2004، فإن التعيين في مؤسسات الدولة يفترض أن يتم وفق أحكام هذا القانون، مع الإشارة إلى أن بعض القطاعات مثل القضاء ووزارة الدفاع تخضع لقوانين خاصة. وحتى عام 2020، كان التوظيف يجري عبر مسابقات معلنة رسمياً، ليصدر بعدها قرار باستخدام الناجحين بصفة مؤقتة يُجدد سنوياً. وغالباً ما يبقى الموظفون على هذه الحال لعشرات السنين، رغم أن حقوقهم التأمينية والطبية وإجازاتهم مساوية لحقوق الموظف الدائم، باستثناء احتمال عدم تجديد العقد في أي وقت.

إن إعادة بناء مؤسسات الدولة في المرحلة المقبلة تتطلب إصلاحاً جذرياً في نظام التوظيف، إصلاح يقطع مع العشوائية والمحسوبيات ويؤسس لبيئة عمل تقوم على الكفاءة والشفافية والعدالة الاجتماعية. ويستدعي ذلك تعديل القانون الأساسي للعاملين بحيث يُربط التثبيت والترقية بالأداء، ويُدخل نظام تقييم دوري، ويمنح الإدارات صلاحيات أوسع في مجالات التوظيف والتدريب. ومن بين الخطوات الضرورية أيضاً إجراء جرد شامل للعقود وتصنيفها، بحيث يجري تثبيت من يشغلون وظائف دائمة وفق معايير واضحة، مقابل منح تعويضات أو فرص إعادة تأهيل للفئات التي لا تلبي حاجة مؤسسات الدولة، مع وضع نظام تعاقدي جديد يمنع التوظيف على أساس الولاءات السياسية.

في المقابل، فإن تثبيت جميع المتعاقدين دفعة واحدة، ومن دون تقييم دقيق، سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الإنفاق العام ويكرس اختلالات هيكلية يصعب تصحيحها لاحقاً. بينما يتيح النهج الانتقائي، القائم على تقييم الحاجة والكفاءة، تحقيق استقرار مالي وتحسين الأداء المؤسسي على المدى المتوسط.

ويبقى ملف التوظيف في مؤسسات الدولة من أبرز التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية، حيث ينقسم النقاش بين التمسك بالقانون الأساسي للعاملين أو الاتجاه نحو صياغة بديل جديد عبر قانون للخدمة المدنية. إلا أن جوهر المعضلة لا يكمن في النصوص القانونية فحسب، بل في كيفية التعامل مع التعيينات التي جرت خلال الأشهر الأخيرة، وضمان ألا يتحول الإصلاح الإداري إلى مجرد إجراء شكلي. فالرهان الحقيقي اليوم يتمثل في بناء منظومة وظيفية عادلة وشفافة تستعيد ثقة المواطنين بالمؤسسات، وتؤسس لإدارة عامة قادرة على مواكبة متطلبات إعادة الإعمار وبناء الدولة على أسس جديدة.

- Advertisement -

- Advertisement -