لكل السوريين

درعا.. أرض تتحول إلى غبار.. وسكان يواجهون زحف الصحراء

درعا/ رجاء مختار

في درعا، حيث كانت الحقول الذهبية تغطي الأرض كالبساط المضيء، لم يعد المشهد كما عهده الأجداد. الرياح التي كانت تحمل عبق الزعتر والقيصوم، صارت اليوم محمّلة بأتربة حمراء تخنق الأنفاس وتقتل الخضرة. هنا في جنوب سوريا، لم تعد الحرب وحدها تهدد الحياة، بل خطر صامت يتسلل مثل سرطان ينهش الأرض ويحوّلها إلى صحاري متشققة.

المزارع أبو محمود (55 عاماً) يقف متأملاً أرضه التي ورثها عن أبيه، بينما تحاول قدماه الغوص في التربة المتصلبة. يقول بصوته الأجش: «كنت أحصد من هذه الأرض ما يكفي لإطعام عائلتي وجيراني. اليوم، أحصد الغبار واليأس». يشير بيده إلى سلسلة من الأخاديد العميقة التي شقتها مياه الأمطار قبل أن تتحول إلى سيول جارفة تجرف آخر بقايا الخصوبة.

درعا، التي كانت تُلقب بسلة غذاء سوريا، لم تعد قادرة على إطعام أهلها. الإحصاءات غير الرسمية تشير إلى انخفاض الإنتاج الزراعي إلى أقل من النصف، لكن كبار السن يؤكدون أن الواقع أكثر مرارة. فادي الزعبي (34 عاماً)، مهندس زراعي عاد للعمل في أرض عائلته، يقول ممسكاً حفنة من التراب المتطاير: «التربة تفقد مادة الدبال العضوية سنة بعد أخرى. المياه الجوفية تنخفض بمعدلات مخيفة، والأمطار لم تعد تكفي لري البساتين».

النساء في درعا يرين القصة من زاوية مختلفة. أم ياسر (47 عاماً) تمسح طبقة الغبار التي تغطي حوض الورد الجوري الوحيد في منزلها. تقول: «أصبح الغبار رفيقنا الدائم. يخترق النوافذ، يغطي طعامنا، ويدخل رئات أطفالنا». تشير إلى ابنها الأصغر الذي يعاني من نوبات ربو متكررة، بينما تعلق ابنتها الغسيل الذي سرعان ما يغطيه الوحول المحمولة جواً.

التكيف مع الجفاف أصبح جزءاً من الحياة اليومية. خزانات جمع مياه الأمطار المنتشرة على أسطح المنازل تشهد على أزمة لم تعد خافية. محمد الحوراني (60 عاماً)، من كبار مزارعي المنطقة، ابتكر حلاً محلياً لمواجهة شح المياه: «حفرت بركة صغيرة لجمع مياه الأمطار، وأستخدم نظام ري بالتنقيط صنعتُه بنفسي من خراطيم قديمة». ومع ذلك، تقلصت مساحته الخضراء إلى النصف، ما يجعل جهوده الفردية غير كافية.

العواصف الرملية ازدادت كثافة وتكراراً. خلال الأسبوع الماضي فقط، شهدت درعا ثلاث عواصف رملية غطت سماء المدينة بستار برتقالي مخيف. الدكتور سامر قاسم، طبيب أمراض صدرية في مشفى درعا الوطني، يحذر: «حالات الأمراض التنفسية والتحسسية زادت بنسبة 70% خلال السنوات الثلاث الماضية. الأطفال وكبار السن الأكثر تضرراً».

أسواق درعا تعكس عمق الأزمة الاقتصادية. وصل سعر الطماطم إلى 8000 ليرة للكيلو، وأصبح البصل سلعة نادرة. أبو وائل، بائع خضار في سوق الحريقة، يقول وهو يرتب صناديق الخضار الفقيرة: «أكثر من 60% من الخضار والفواكه الآن مستوردة من خارج المحافظة. المنتج المحلي لم يعد يكفي حتى لربع احتياجات السكان».

في مقهى الشعيبي بوسط المدينة، يجلس مجموعة من المزارعين القدامى. حديثهم لا يدور حول السياسة، بل عن ذكريات الماضي حين كانت الأرض كريمة. أحدهم يهمس: «الأرض لم تعد تعرفنا.. صارت غريبة عنا كما لو أننا غرباء عنها».

التحدي الأكبر أمام أهالي درعا هو الحفاظ على هويتهم الزراعية في مواجهة الزحف الصحراوي. بعض المبادرات الفردية بدأت تظهر، مثل مشروع «خضرة درعا» الذي يقوده شباب متطوعون لزراعة الأشجار المقاومة للجفاف على جوانب الطرق. لكن هذه الجهود تبقى محدودة أمام حجم الكارثة.

المهندسة الزراعية رنا الداوود، العاملة مع منظمة محلية غير حكومية، تحذر: «التربة في بعض مناطق درعا فقدت أكثر من 40% من خصوبتها خلال العقد الماضي. نتخذ إجراءات عاجلة، وقد نضطر لاستيراد حتى أبسط المحاصيل التي كنا ننتجها بوفرة».

الليل في ريف درعا لم يعد يعرف صمت الريف الهادئ، بل يملؤه صوت القاطرات المحملة بالمياه التي تنقلها العائلات من الآبار البعيدة إلى منازلها. الجميع هنا يعيش على أمل أن تعود الأمطار، أن تعود الخضرة، وأن تعود الحياة كما كانت. لكنهم يعلمون، في صمت، أن المعركة ضد التصحر هي معركة وجودية قد تكون الأصعب في تاريخ هذه الأرض العطاء.

 

- Advertisement -

- Advertisement -