الرقة/ حسن الشيخ
يشكّل الزواج في المجتمع السوري عموماً، وفي مدينة الرقة وريفها خصوصاً، خطوة أساسية نحو بناء أسرة مستقرة. غير أنّ هذه الخطوة باتت اليوم بعيدة المنال بالنسبة لكثير من الشباب، نتيجة الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية التي تجعل من تأمين بيتٍ أو مسكن شرطاً شبه مستحيل قبل الإقدام على الزواج.
فمع تضاعف أسعار العقارات وارتفاع بدلات الإيجار، يجد الشاب نفسه أمام معادلة صعبة: إمّا أن يؤجّل مشروع الزواج لسنوات، أو أن يدخل حياة أسرية مثقلة بالديون والضغوط منذ بدايتها.
يقول أحمد السالم (27 عاماً) من ريف الرقة: “من الطبيعي أن يبحث الشاب عن الاستقرار قبل الزواج، وأوّل ما يفكّر به هو البيت. لكن اليوم، حتى استئجار شقة صغيرة يتطلّب راتباً كاملاً وربما أكثر. أنا أعمل في ورشة نجارة منذ خمس سنوات، وما أجنيه لا يكفي سوى لتأمين احتياجاتي الأساسية، فكيف لي أن أفتح بيتاً جديداً؟”
وتُظهر شهادات الشباب أنّ أزمة السكن باتت حاجزاً رئيسياً أمام تكوين الأسر. فبحسب ليث الخلف (30 عاماً) من مدينة الرقة: “لم يعد الزواج مجرد ارتباط بين شخصين، بل أصبح مشروعاً اقتصادياً ضخماً يحتاج لدعم مالي. كنت أخطّط للزواج منذ عامين، لكن غلاء المعيشة والإيجارات دفعني لتأجيل الفكرة مراراً، والآن لم أعد أضع الزواج ضمن أولوياتي القريبة.”
ويرى بعض الشبان أن الأهل أيضاً باتوا أكثر تشدداً في موضوع المسكن، إذ لم يعد مقبولاً أن يعيش الشاب المتزوج مع أسرته في منزل واحد. يقول محمود العيسى (25 عاماً): “حتى لو وافقت أنا وزوجتي على العيش في غرفة ضمن بيت العائلة، فالعادات والتقاليد لا تسمح بذلك. الجميع يطالب بالبيت المستقل، وهذا حقّ مشروع، لكنه اليوم أشبه بالمستحيل.”
هذه الصعوبات انعكست بشكل مباشر على الجانب الاجتماعي، إذ ارتفعت معدلات العزوف عن الزواج، الأمر الذي يثير مخاوف لدى الأهالي من انتشار مشكلات اجتماعية خطيرة، مثل تفكك الروابط الأسرية أو ازدياد حالات الهجرة بحثاً عن فرص أفضل.
ويشير ناشطون في العمل المجتمعي إلى أنّ الأزمة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تتداخل فيها عوامل ثقافية واجتماعية في ظل الظروف الراهنة، لذلك يجب إعادة النظر في بعض التقاليد التي تزيد الأعباء على الشباب، مثل اشتراط بيت مستقل مجهز بالكامل والعمل على إيجاد حلول من شأنها تسهيل الزواج وتخفيف التكاليف، لأن استمرار الوضع الحالي يهدد التماسك الاجتماعي.
ورغم قتامة المشهد، يبقى الأمل قائماً لدى الشباب في تحسّن الظروف مستقبلاً. فـ علي الحسين (28 عاماً) يختصر أمنيته بالقول: “لسنا ضد الزواج ولا نخاف من المسؤولية، لكننا بحاجة لفرصة عادلة للبدء. بيت صغير وأجر مقبول قد يعيدان لنا الأمل بأن الزواج ممكن، لا حلماً مؤجلاً.”
وتتقاطع شهادات الشباب في الرقة وريفها عند نقطة واحدة وهو “البيت” الذي يعدونه مفتاح الزواج، وبدونه يبقى الارتباط مؤجلاً إلى أجل غير مسمّى، بما يحمله ذلك من تداعيات اجتماعية خطيرة على المجتمع ككل.