لكل السوريين

السويداء.. مأساة مستمرة وصراع للبقاء تحت الحصار

لم يقتصر حجم الكارثة التي ارتكبتها قوات الحكومة المؤقتة في السويداء، على آلاف القتلى والجرحى الذين تم إحصاؤهم، وعشرات آلاف المشردين في القرى والبلدات الأخرى ومراكز الإيواء، وعشرات القرى والبلدات المنهوبة والمحروقة.

ومازالت مأساة المحافظة مستمرة وجراحها نازفة نتيجة للجرائم المروّعة التي ارتكبتها قوات الحكومة المؤقتة والميليشيات التابعة لها، وخاصة في قرى وبلدات الريف الشمالي والغربي في السويداء، ومازالت تتكشف تفاصيلها يوماً بعد يوم.

واتخذت هذه الجرائم بعداً إضافياً من خلال المحاولات الممنهجة التي تقوم بها الحكومة المؤقتة للتغطية على آثار الكارثة وطمس معالم الحرائق والدمار الذي طال المنازل والشجر، حيث سمحت وزارة الدفاع والأمن العام لفرعي الهلال الأحمر من دمشق ودرعا فقط بدخول القرى المتضررة، بينما منعت فرع السويداء من دخولها، مما أدى إلى تغييب تفاصيل أساسية عن حجم المجازر، والتعتيم على الجرائم، بعدما تم توجيه الوفود الأجنبية إلى مناطق محدودة بعيداً عن مواقع المجازر الرئيسية.

وقام ممثل الحكومة المؤقتة بالسويداء بدور مباشر في هذه المحاولات، من خلال مرافقة الوفود الإنسانية وإبعادها عن أماكن الجرائم، بهدف طمس الأدلة، وإخفاء معالم الانتهاكات.

مأساة مستمرة

كشف مقطع تم تصويره مؤخراً، عن مشاهد صادمة لجريمة مروّعة ارتكبت في إحدى قرى الريف الشمالي في السويداء، حيث وثق جثث أربعة أفراد من عائلة واحدة داخل منزلهم المحترق والمنهوب.

وحسب مصادر محلية، تمكّنت مجموعة من الشبان من التسلل ليلاً إلى القرية التي مازالت تسيطر عليها المجموعات الإرهابية التابعة للحكومة المؤقتة، وتمكنوا من تصوير بعض مشاهد الجريمة وكشفوا جانباً من المأساة المستمرة، قبل أن ينسحبوا منها.

ووصف الشبان المناظر بالمرعبة، حيث بدت الجثث متحللة داخل المنازل المحترقة، في مشهد يؤكد حجم الانتهاكات التي طالت المدنيين.

ومن ناحية أخرى، تؤكد المعلومات أن عشرات الجثامين ما تزال داخل البيوت وعلى الطرق في القرى الشمالية والغربية التي لم يسمح بدخولها حتى الآن، مما يعني أن حصيلة عدد الشهداء ستكون أكبر بكثير مما جرى توثيقه حتى الآن.

وأعلن مصدر في مديرية الصحة بالسويداء وصول سبعة جثامين إلى المشفى الوطني، بعدما تم انتشالها من بلدة لاهثة.

وأشار المصدر إلى أن الجثامين متحللة تماماً، وتم التعرّف على بعضهم من خلال الوثائق التي وجدت في جيوبهم، وهم من أهالي البلدة بينهم امرأة، ويجري حالياً التعرف على باقي الجثامين.

وكانت البلدة الواقعة على طريق دمشق السويداء قد تعرضت لهجمات متتالية منتصف تموز الماضي من قبل قوات الحكومة المؤقتة ومجموعات مسلحة موالية لها، حيث أقدمت على تنفيذ إعدامات ميدانية بحق السكان الذين تبقوا فيها.

اغتيال الفرح

اختلطت أصوات الفرح التي ملأت بيوت العرسان الجدد بالسويداء في منتصف شهر تموز، بأصوات الرصاص والعويل، وخسرت المحافظة اثنين من أبنائها، كانا عريسين في بداية حياتهما ليتحولا إلى ذكرى موجعة في قلوب عائلاتهما.

رامي عريج المولود عام 1996، نشأ يتيم الأب، واضطر لترك جامعته في سنتها الأولى من أجل إعالة والدته وشقيقه الأصغر، وتزوّج بعد سنوات من العمل، وقبل شهر من المجزرة، واستشهد خلالها تاركاً زوجة لم تكتمل أيام شهر العسل معها.

تقول عروسه “بعدني ما تهنيت فيه.. شفت حالي بشجاعتو.. واليوم عايشي على ذكراه ورافعة راسي بشهادتو.. بس الجرح كبير”.

وعبيدة مسعود من مواليد 1998، لم يعش مع عروسه سوى 15 يوماً، حاول رفاقه منعه من المشاركة في حماية بلداته، لأنه “عريس جديد” وعليه أن يبقى بجوار زوجته، لكنه رفض قائلاً “كيف بدي ارتاح والجبل عبيحترق”.

وأثناء محاولة للتصدي لمغول العصر، استهدفته طائرة مسيّرة مع مجموعة من شبان المنطقة مما أدى إلى ارتقائهم، وإصابة آخرين بجروح.

ورفض والده قبول التعازي بابنه الوحيد وقال “هنّوني.. ابني عريس وشهيد.. ومش وحيد لأن كل شباب الجبل ولادي”.

صراع البقاء تحت الحصار

تعرضت بلدة المجدل بالريف الغربي للسويداء لعدة هجمات في منتصف تموز الماضي، حيث اجتاحت قوات الحكومة المؤقتة البلدة واستهدفتها بالقذائف والطائرات المسيرة والمدرعات، وتوغلت داخلها، مما أدى لارتقاء حوالي أربعين شهيداً، وقامت بنهب وإحراق أكثر من 300 منزل، وعشرات المحال التجارية والسيارات، وتخريب مقام النبي داوود وسط البلدة، ومجلس ديني بني قبل سنة واحدة.

وشهدت معارك كر وفر بين القوات المهاجمة من جهة، وبين أبناء البلدة والفزعات التي وصلت لمؤازرتهم من جهة أخرى، إلى أن طردت القوات منها بعد أقل من يوم ونصف من اجتياحها.

ولا تزال البلدة تتعرض بين حين وآخر لإطلاق نار بالرشاشات الثقيلة من مواقع مجاورة.

ولا يزال الكثير من ابنائها يتمسكون بأرضهم، وبيوتهم التي يقيمون فيها رغم الحالة المأساوية داخلها، ولسان حالهم يقول “لن نخرج من أرضنا إلّا شهداء” حسب مجموعة من رجالها الذين أكدوا أن بلدتهم لم تشهد أي نزاع مع أي طرف، يتطلب دخول قوات لفض النزاع، كما زعمت الحكومة المؤقتة حينها لتبرير اجتياحها للمحافظة، ونيتها المبيتة لارتكاب المجاور فيها.

- Advertisement -

- Advertisement -