الشرع يعيد رسم الخارطة الأمنية في سوريا.. تعيينات جديدة تفتح باب التساؤلات حول شكل المؤسسة الأمنية المقبلة
أعاد الرئيس السوري أحمد الشرع، تشكيل جزء من الهرم الأمني في البلاد عبر سلسلة تعيينات شملت أبرز المؤسسات الأمنية، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها تأتي ضمن مشروع “إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية” وبناء جهاز أمني أكثر تنظيماً وفاعلية، بينما يرى مراقبون أنها تعكس أيضاً إعادة ترتيب موازين القوى داخل الدولة، في مرحلة توصف بأنها الأكثر حساسية منذ بدء المرحلة الانتقالية.
وتأتي هذه التغييرات في وقت تواجه فيه سوريا تحديات أمنية متصاعدة، تتمثل في نشاط خلايا تنظيم داعش، ومحاولات تهريب السلاح عبر الحدود، إلى جانب ضغوط دولية تدعو إلى بناء مؤسسات أمنية أكثر مهنية وخضوعاً للقانون.
تغييرات في قمة الهرم الأمني
وبحسب القرارات الرسمية، عُيّن وزير الداخلية أنس خطاب مديراً لمكتب الأمن الوطني مع احتفاظه بحقيبته الوزارية، في خطوة تمنحه الإشراف المباشر على أهم مركز لتنسيق السياسات الأمنية بين مختلف الأجهزة.
كما تم تعيين حسين السلامة معاوناً لمدير مكتب الأمن الوطني، بينما تولى ملهم الشنتوت منصب معاون وزير الداخلية للشؤون الأمنية، في حين أصبح عبد القادر طحان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة خلفاً للسلامة.
وتقول الحكومة إن هذه القرارات تأتي ضمن خطة لإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والإدارية، وإعادة توزيع المسؤوليات بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الجديدة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
لكن القراءة السياسية لهذه التعيينات تتجاوز مجرد تبديل المناصب، إذ يرى متابعون أنها تمثل بداية لمرحلة جديدة في إدارة الملف الأمني السوري.
نحو مركزية أكبر في القرار الأمني
يرى الباحث والخبير الأمني عصمت العبسي لصحيفة الشرق الأوسط أن التعيينات الجديدة تمثل إعادة هندسة شاملة للهيكل الأمني السوري، وليست مجرد تنقلات إدارية بين المسؤولين.
ويشير العبسي إلى أن الجمع بين منصبي وزير الداخلية ومدير مكتب الأمن الوطني بيد أنس خطاب يعني عملياً توحيد إدارة ملفات الأمن الداخلي والتنسيق الأمني والاستخباراتي تحت قيادة واحدة، بما ينهي حالة تعدد المرجعيات التي طبعت المرحلة الماضية.
وبحسب العبسي، فإن هذه الخطوة تقلص مساحة التنافس بين المؤسسات الأمنية المختلفة، وتؤسس لما يشبه “غرفة قيادة أمنية موحدة” تتولى رسم السياسات الأمنية والإشراف على تنفيذها.
كما يلفت إلى أن وجود وزيري الدفاع والعدل ضمن هيكل مكتب الأمن الوطني يعكس توجهاً نحو بناء مؤسسة أمنية أكثر تكاملاً، ترتبط مباشرة برئاسة الدولة.
تحديات أمنية فرضت نفسها
ويأتي توقيت هذه التعيينات بعد سلسلة تطورات أمنية شهدتها البلاد خلال الأسابيع الماضية، من بينها التفجيرات التي استهدفت العاصمة دمشق، وإعلان السلطات إحباط عمليات تهريب أسلحة عبر الحدود العراقية، إضافة إلى استمرار نشاط خلايا تنظيم داعش في بعض المناطق.
ويرى العبسي أن هذه الأحداث كشفت وجود ثغرات في التنسيق بين الأجهزة الأمنية، الأمر الذي دفع القيادة السورية إلى إعادة هيكلة منظومة اتخاذ القرار الأمني بهدف تسريع تبادل المعلومات وتعزيز سرعة الاستجابة للتهديدات.
ويضيف أن المرحلة الحالية تتطلب قيادة أمنية موحدة قادرة على التنسيق بين أجهزة الشرطة والاستخبارات والمؤسسات العسكرية لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة.
بناء مؤسسات الدولة
من جانبه، ينظر الباحث السياسي الدكتور عبد الرحمن الحاج إلى هذه التعيينات من زاوية مختلفة، معتبراً أنها تمثل خطوة طبيعية في مسار بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.
ويقول الحاج إن مكتب الأمن الوطني يؤدي وظيفة مركزية في جمع المعلومات الأمنية من مختلف المؤسسات وتحليلها، وهو ما كان يجري خلال المرحلة الماضية بصورة أقل تنظيماً.
ويرى أن الهيكلية الجديدة قد تمهد لظهور استراتيجية أمنية وطنية متكاملة، تقوم على التنسيق بين مختلف الأجهزة، بما يسمح لمجلس الأمن القومي بأداء دوره بصورة أكثر فاعلية.
ويضيف أن هذه التغييرات لا يمكن فصلها عن التحديات الأمنية الداخلية ولا عن البيئة الإقليمية والدولية، في ظل استمرار التعاون مع التحالف الدولي والملفات الأمنية المرتبطة بالحدود السورية.
الأمن والاقتصاد.. علاقة مباشرة
ولا تقتصر أبعاد التغييرات الأمنية على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد إلى الملف الاقتصادي.
فالباحث الاقتصادي الدكتور فراس شعبو يرى أن نجاح أي خطة لإعادة الإعمار أو جذب الاستثمارات الأجنبية يبدأ بتوفير بيئة أمنية مستقرة.
ويشير إلى أن توحيد القيادة الأمنية العليا يبعث برسالة طمأنة إلى المستثمرين بأن الدولة تمتلك مؤسسات قادرة على حماية الاستثمارات وفرض الاستقرار، وهو ما يشكل أحد الشروط الأساسية لانطلاق مشاريع التنمية وإعادة الإعمار.
كما يعتبر أن المجتمع الدولي يربط بصورة متزايدة بين الاستقرار الأمني وإمكانية تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي للحكومة السورية.
رسائل إلى الداخل والخارج
ويرى مراقبون أن التعيينات تحمل رسائل متعددة الاتجاهات.
فعلى المستوى الداخلي، تسعى السلطة إلى ترسيخ مركزية القرار الأمني وتقليص تداخل الصلاحيات بين المؤسسات المختلفة.
أما خارجياً، فتبدو الخطوة محاولة لإظهار أن الدولة تمضي نحو بناء مؤسسات أمنية أكثر تنظيماً ومهنية، في وقت تتزايد فيه المطالب الدولية بإصلاح القطاع الأمني وتعزيز خضوعه للمؤسسات الرسمية.
ويأتي ذلك بعد الانفتاح السياسي الذي شهدته دمشق خلال الأشهر الأخيرة، والذي تُوّج بزيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أول زيارة لرئيس دولة غربية كبرى منذ تولي أحمد الشرع السلطة.
مرحلة جديدة أم إعادة توزيع للأدوار؟
ورغم أن الحكومة تقدم هذه التغييرات باعتبارها جزءاً من مشروع إعادة بناء مؤسسات الدولة، فإن السؤال الذي يطرحه مراقبون يبقى مفتوحاً: هل تمثل هذه التعيينات بداية تأسيس مؤسسة أمنية سورية جديدة تقوم على المركزية والتنسيق المؤسسي، أم أنها تعكس إعادة توزيع النفوذ داخل الأجهزة الأمنية بما يتناسب مع موازين القوى في المرحلة الحالية؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف، وفق متابعين، على أداء المؤسسات الأمنية خلال الأشهر المقبلة، ومدى قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ الاستقرار، في بلد لا يزال يواجه إرثاً ثقيلاً من الحرب والانقسام.