لكل السوريين

الإسلام السياسي الشيعي… حين تتقدّم العقيدة على الدولة

منذ أن دخلت الحركات الإسلامية إلى المجال السياسي، ظل السؤال الأبرز يدور حول قدرتها على التوفيق بين المرجعية الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة. لكن التجربة العملية لبعض هذه الحركات أفرزت سؤالاً آخر أكثر أهمية: عندما تصل هذه الحركات إلى السلطة، لمن تكون الأولوية؟ للدولة ومواطنيها، أم للمشروع العقائدي الذي جاءت من أجله؟

في هذا السياق، تبدو تجربة الإسلام السياسي الشيعي المرتبط بنظرية ولاية الفقيه حالة تستحق التأمل. فبعد أكثر من أربعة عقود على الثورة الإيرانية، وما يزيد على عقدين من هيمنة الأحزاب الشيعية على القرار السياسي في العراق، إضافة إلى تجربة الحوثيين في اليمن، أصبح بالإمكان تقييم الأداء من خلال الوقائع، لا عبر الافتراضات النظرية.

ما يلفت الانتباه في هذه التجارب أن بناء الدولة لم يكن في مقدمة الأولويات بقدر ما كان ترسيخ المشروع العقائدي وتوسيع دائرة نفوذه. فالدولة، في هذا التصور، ليست الغاية النهائية، وإنما أداة لخدمة فكرة تتجاوز حدودها الوطنية.

في إيران، قامت الجمهورية الإسلامية على مفهوم يمنح الولي الفقيه سلطة تتجاوز مؤسسات الدولة التقليدية، ويجعل المرجعية العقائدية جزءاً محورياً من بنية النظام السياسي. ومنذ السنوات الأولى للثورة، تبنّت طهران خطاب “تصدير الثورة”، وهو ما انعكس على سياساتها الخارجية واستثماراتها الإقليمية، عبر بناء شبكة واسعة من الحلفاء والفصائل المسلحة في عدد من دول المنطقة.

وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لهذا النهج، فإن النتيجة العملية كانت توجيه جانب مهم من الإمكانات السياسية والعسكرية والاقتصادية نحو تعزيز النفوذ الإقليمي، في وقت واجه فيه الاقتصاد الإيراني تحديات داخلية متراكمة، من العقوبات إلى التضخم وتراجع مستويات المعيشة.

العراق يقدم نموذجاً آخر لهذه الإشكالية. فبعد عام 2003، امتلكت القوى الشيعية فرصة تاريخية لإعادة بناء دولة خرجت من عقود من الحروب والعقوبات. غير أن التجربة كشفت عن صعوبة بناء مؤسسات قوية في ظل تعدد مراكز القوة، ووجود فصائل مسلحة تتمتع بنفوذ سياسي وأمني يتجاوز في بعض الأحيان مؤسسات الدولة الرسمية.

وخلال العقدين الماضيين، برزت تحديات كبيرة تتعلق بالفساد، وضعف الإدارة، وتعثر مشاريع التنمية، وهو ما جعل كثيراً من العراقيين يطالبون بإصلاحات تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة ومؤسساتها، بعيداً عن الولاءات الحزبية أو الإقليمية.

أما في اليمن، فقد تحولت جماعة الحوثي من حركة محلية إلى لاعب إقليمي مؤثر، يرتبط بمعادلات تتجاوز الساحة اليمنية. ومع استمرار الحرب، أصبحت الأولويات العسكرية والسياسية تطغى على متطلبات بناء مؤسسات الدولة أو معالجة الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها اليمنيون.

القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن مفهوم الدولة الوطنية لا يبدو دائماً في موقع الصدارة عندما يتعارض مع مقتضيات المشروع العقائدي أو الإقليمي. فكلما اتسع نطاق المشروع الأيديولوجي، تراجعت مساحة القرار الوطني المستقل، وأصبحت السيادة مرتبطة بتوازنات خارج الحدود أكثر من ارتباطها بإرادة المواطنين.

ولا يعني ذلك أن جميع القوى أو الشخصيات المنتمية إلى هذه التيارات تتحرك بالمنطق نفسه، كما لا يلغي وجود عوامل أخرى أثرت في هذه التجارب، مثل الحروب، والعقوبات، والتدخلات الخارجية، والانقسامات الداخلية. لكن هذه العوامل لا تمنع من ملاحظة أن العلاقة بين الدولة والمشروع العقائدي ظلت تمثل إحدى أبرز الإشكاليات في نماذج الحكم المرتبطة بولاية الفقيه.

إن نجاح أي مشروع سياسي لا يُقاس فقط بقدرته على الاحتفاظ بالسلطة أو توسيع النفوذ، وإنما بقدرته على بناء دولة مستقرة، تمتلك مؤسسات فاعلة، واقتصاداً منتجاً، وقضاءً مستقلاً، وإدارة تخدم جميع المواطنين دون تمييز. فالدولة الحديثة لا تقوم على الولاء لفكرة عابرة للحدود، بل على عقد اجتماعي يجعل المواطن محور العملية السياسية.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام أي تيار ذي مرجعية دينية لا يكمن في الوصول إلى الحكم، بل في الإجابة عن سؤال الدولة: هل تكون العقيدة في خدمة الدولة، أم تتحول الدولة إلى أداة في خدمة العقيدة؟ وتجارب العقود الماضية تشير إلى أن تقديم المشروع الأيديولوجي على مؤسسات الدولة يفضي غالباً إلى إضعاف السيادة، وتعقيد مسارات التنمية، وإطالة أمد الصراعات الداخلية.

وفي النهاية، تبقى الدولة الوطنية، بمؤسساتها وقوانينها ومواطنيها، الإطار الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية. أما عندما تصبح الدولة مجرد وسيلة لتنفيذ مشروع يتجاوز حدودها، فإنها تفقد تدريجياً وظيفتها الأساسية، ويتحول المواطن من غاية السياسة إلى مجرد عنصر داخل مشروع أكبر منه، وهو ما يطرح تحدياً مستمراً أمام مستقبل الحكم والاستقرار في المنطقة.

- Advertisement -

- Advertisement -