بعد هرمز.. هل يصبح بانياس بوابة النفط العراقي الجديدة؟
خط كركوك–بانياس يعود إلى الواجهة بطاقة تصل إلى مليوني برميل يومياً.. وممر بري مؤقت يعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة
لم تعد تداعيات أزمة مضيق هرمز تقتصر على ارتفاع أسعار النفط واضطراب حركة الناقلات، بل بدأت تدفع دول المنطقة إلى البحث عن مسارات برية وأنابيب جديدة تقلل اعتمادها على الممرات البحرية الأكثر حساسية في العالم. وفي قلب هذه التحولات، عادت سوريا إلى الواجهة عبر مشروع إحياء خط النفط العراقي–السوري وصولاً إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط.
وفي يوليو/تموز الماضي، وقّعت دمشق وبغداد مذكرتي تفاهم لإعادة تأهيل وإحياء خط نقل النفط المرتبط تاريخياً بمسار كركوك–بانياس، في خطوة تهدف إلى فتح منفذ جديد للنفط العراقي نحو الأسواق العالمية عبر المتوسط، بدلاً من الاعتماد الكامل على الموانئ الجنوبية العراقية المطلة على الخليج.
من كركوك إلى بانياس
المشروع ليس جديداً من الناحية التاريخية. فقد أنشئ خط كركوك–بانياس في خمسينيات القرن الماضي، وكان يربط حقول النفط العراقية بالساحل السوري، بطاقة كانت تقدر بنحو 300 ألف برميل يومياً. لكن سنوات الحرب وتدهور البنية التحتية جعلت الخط غير صالح للاستخدام وفق المعايير الحالية، ما يعني أن الحديث اليوم لا يتعلق بمجرد تشغيل أنبوب قديم، وإنما بإعادة بناء منظومة نقل نفطية واسعة.
وتشير المعلومات المتداولة حول المشروع الجديد إلى استهداف طاقة أولية تصل إلى نحو مليوني برميل يومياً، أي أكثر من ستة أضعاف الطاقة التاريخية للخط القديم. كما تتحدث تقديرات حديثة عن مشروع أوسع قد تصل كلفته إلى 15 مليار دولار ويحتاج إلى نحو أربع سنوات، مع ربط حقول العراق الشمالية والجنوبية بشبكة تنتهي في بانياس.
وهنا تكمن أهمية المشروع بالنسبة إلى سوريا، فهو لا يعني فقط مرور النفط العراقي عبر أراضيها، وإنما يمكن أن يحول الساحل السوري إلى نقطة اتصال بين حقول النفط العراقية والأسواق الأوروبية والعالمية عبر البحر المتوسط.
هل تصبح سوريا بديلاً لهرمز؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع: يمكن لسوريا أن تكون جزءاً من البدائل، لكنها لا تستطيع أن تحل محل مضيق هرمز بالكامل.
فهرمز ممر بحري عالمي تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز، بينما خط عراقي–سوري، حتى لو وصل إلى طاقة مليوني برميل يومياً، سيبقى مساراً محدوداً مقارنة بحجم التجارة النفطية العالمية.
لكن أهميته تكمن في شيء آخر: تنويع طرق التصدير.
العراق يعتمد بدرجة كبيرة على منافذه الجنوبية لتصدير النفط، وأظهرت أزمة هرمز حجم المخاطر الناتجة عن هذا الاعتماد. وبحسب تقارير، كان اضطراب الملاحة في المضيق سبباً رئيسياً في دفع بغداد إلى البحث عن طرق بديلة، بينها نقل النفط بالشاحنات عبر سوريا وصولاً إلى بانياس، قبل الانتقال إلى حل الأنابيب على المدى الطويل.
وهذا يعني أن سوريا قد لا تصبح “هرمز جديداً”، لكنها قد تتحول إلى ممر استراتيجي منافس لبعض طرق تصدير النفط عبر الخليج.
الشاحنات.. بداية الطريق
لم ينتظر العراق اكتمال مشروع الأنابيب. فقد بدأ خلال الأشهر الماضية استخدام الأراضي السورية كمسار بديل لنقل كميات من النفط الخام بالشاحنات إلى الساحل السوري، في محاولة للتعامل مع الاختناقات التي خلفتها اضطرابات الملاحة في الخليج.
ورغم أن النقل بالصهاريج لا يمكن مقارنته اقتصادياً وفنياً بخط أنابيب ضخم، فإنه قدم اختباراً عملياً للممر السوري، وأظهر إمكانية نقل النفط العراقي غرباً باتجاه البحر المتوسط.
ومن هنا تبدو الشاحنات أشبه بـ”حل إسعافي”، بينما يمثل خط الأنابيب المشروع الاستراتيجي طويل الأمد.
ماذا تستفيد سوريا؟
بالنسبة إلى دمشق، قد يكون المشروع واحداً من أهم الاستثمارات الاستراتيجية في قطاع الطاقة والبنية التحتية إذا انتقل من مرحلة التفاهمات إلى التنفيذ.
فمرور ملايين براميل النفط عبر الأراضي السورية يمكن أن يوفر رسوم عبور وإيرادات مباشرة، إضافة إلى فرص استثمار وتشغيل مرتبطة بمحطات الضخ والتخزين والصيانة والمرافئ.
كما أن وصول النفط العراقي إلى بانياس يمكن أن يعيد تنشيط الدور الاقتصادي للميناء والساحل السوري، ويفتح الباب أمام خدمات لوجستية وصناعات مرتبطة بالطاقة.
والأهم من ذلك أن المشروع يعيد وضع سوريا على خريطة طرق التجارة الإقليمية، بعد سنوات تحولت خلالها البلاد من عقدة وصل بين العراق والمتوسط إلى ساحة صراع عطلت معظم مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود.
الطريق ليس سهلاً
لكن الطريق أمام المشروع لا يزال طويلاً.
فإعادة بناء شبكة أنابيب بهذا الحجم تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وتأمين الأراضي، وإزالة آثار الحرب، وبناء محطات ضخ وتخزين ومرافق حماية ومراقبة. كما أن المشروع يحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة قادرة على حماية خط يمتد لمسافات طويلة داخل أكثر من دولة.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن إنشاء المنظومة الجديدة قد يستغرق نحو أربع سنوات، بكلفة لا تقل عن 15 مليار دولار، ما يؤكد أن الحديث عن بديل فوري لمضيق هرمز سيكون مبالغاً فيه.
معركة جديدة على خريطة الطاقة
في المقابل، تكشف التطورات الإقليمية أن البحث عن بدائل لهرمز لم يعد خياراً ثانوياً. فقد دفعت اضطرابات الملاحة دول الخليج إلى تسريع مشاريع خطوط الأنابيب والموانئ البديلة، فيما برزت طرق عبر السعودية والإمارات والأردن وسوريا كجزء من محاولات إعادة تشكيل شبكات نقل الطاقة والتجارة.
وبذلك تدخل سوريا، للمرة الأولى منذ سنوات، في منافسة جيوسياسية واقتصادية على موقع ممر الطاقة.
فإذا نجح مشروع كركوك–بانياس، واستقرت الأوضاع الأمنية والسياسية، فقد لا تكون سوريا مجرد دولة عبور للنفط، بل حلقة وصل بين العراق الغني بالطاقة والبحر المتوسط والأسواق الأوروبية.
لكن تحويل هذه الفرصة إلى واقع اقتصادي يتطلب أكثر من أنبوب نفط؛ يحتاج إلى استقرار طويل الأمد، وبنية تحتية حديثة، واتفاقات دولية واضحة.
وبينما يبقى مضيق هرمز لاعباً لا يمكن الاستغناء عنه في سوق الطاقة العالمية، فإن أزمة المضيق الحالية دفعت المنطقة إلى إعادة التفكير في قواعد اللعبة. وفي هذه المعادلة، قد تجد سوريا نفسها أمام فرصة نادرة: أن تنتقل من بلد يقع على هامش طرق الطاقة إلى عقدة رئيسية في شبكة بديلة تمتد من الخليج والعراق إلى المتوسط.
إذا أردت، أستطيع أيضاً إعداد نسخة أقوى من 700–900 كلمة بصيغة تحقيق اقتصادي لصحيفة السوري تتضمن أرقام النفط العراقي، العائد المتوقع لسوريا من رسوم العبور، المستفيدين والخاسرين من المشروع، وموقف تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة منه.