لكل السوريين

الحرب السيبرانية.. عندما تتحول المعركة من ساحات القتال إلى غرف المستشفيات

لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات والدبابات المستخدمة في المعارك، فهناك جبهة أخرى أقل وضوحاً وأكثر تعقيداً تتوسع تدريجياً خلف شاشات الحواسيب، حيث يمكن لهجوم رقمي واحد أن يعطل مستشفى، أو يسرق آلاف السجلات الطبية، أو يشل شبكة كهرباء ومياه، من دون إطلاق رصاصة واحدة.

وتُعرف هذه المواجهات باسم الحرب السيبرانية، وهي استخدام الهجمات الرقمية لاستهداف أنظمة وشبكات ومؤسسات بهدف تعطيلها أو التجسس عليها أو سرقة بياناتها أو التلاعب بها. ومع التحول المتسارع نحو الرقمنة، أصبح القطاع الصحي واحداً من أكثر القطاعات حساسية أمام هذا النوع من التهديدات.

المستشفى.. هدف رقمي عالي القيمة

تحتفظ المؤسسات الصحية بكميات هائلة من المعلومات الحساسة، بدءاً من أسماء المرضى وملفاتهم الطبية، وصولاً إلى نتائج التحاليل والصور الشعاعية والوصفات والأدوية والبيانات المالية. كما أصبحت المستشفيات تعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة الإلكترونية لإدارة المرضى والمختبرات والصيدليات وأجهزة المراقبة الطبية.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا جعل المؤسسات الصحية هدفاً جذاباً للهجمات السيبرانية، خصوصاً أن تعطيل البيانات والأنظمة الطبية قد يفرض ضغوطاً كبيرة على المؤسسة ويدفعها إلى الاستجابة السريعة لمطالب المهاجمين.

ومن أخطر أشكال هذه الهجمات برمجيات الفدية، التي تقوم بتشفير البيانات أو تعطيل الوصول إليها، ثم مطالبة المؤسسة بدفع مبلغ مالي مقابل استعادة الوصول إليها.

لكن المشكلة لا تتوقف عند المال.

حين يصبح الهجوم الرقمي مسألة حياة أو موت

قد يبدو اختراق شبكة مستشفى للوهلة الأولى مشكلة تقنية، إلا أن تأثيره يمكن أن يصل مباشرة إلى المرضى.

فإذا تعطلت سجلات المرضى، قد يجد الطبيب نفسه أمام نقص في المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار. وإذا تعطلت أنظمة المختبر، قد تتأخر نتائج التحاليل. أما إذا أصاب الهجوم أنظمة المواعيد أو غرف العمليات أو أجهزة التصوير، فقد تضطر المنشأة إلى تأجيل إجراءات طبية وعمليات وعلاجات.

وتوضح منظمة الصحة العالمية أن بعض الهجمات السيبرانية على المؤسسات الصحية أدت إلى إلغاء مواعيد وتأجيل عمليات، وفي حالات أكثر خطورة اضطرت أقسام طوارئ إلى رفض استقبال مرضى أو تأجيل علاجات لمرضى السرطان.

وفي إحدى الحالات التي أوردتها المنظمة، أدى هجوم فدية عام 2020 إلى تعطيل شبكة مستشفى جامعي في التشيك، ما تسبب في نقل مرضى إلى مؤسسات أخرى وتأجيل إجراءات طبية والعودة إلى استخدام الإجراءات الورقية. كما أدى هجوم كبير على النظام الصحي في إيرلندا عام 2021 إلى تشفير جزء واسع من البيانات وتعطيل خدمات تشخيصية وتأخير بعض علاجات الأورام.

البيانات الطبية.. ثروة لا تقل أهمية عن المعدات

لا تقتصر قيمة القطاع الصحي بالنسبة للمهاجمين على إمكانية طلب الفدية. فالبيانات الطبية نفسها تحمل قيمة كبيرة، لأنها تتضمن معلومات شخصية شديدة الحساسية يمكن استخدامها في الابتزاز أو الاحتيال أو انتحال الهوية.

ومع انتشار الطب عن بُعد، والسجلات الصحية الإلكترونية، والتطبيقات الطبية، والأجهزة المتصلة بالإنترنت والذكاء الاصطناعي، تتسع مساحة الهجوم المحتملة. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التحول الرقمي في الصحة يحتاج بالتوازي إلى تقييم مستمر لمخاطر الخصوصية والأمن السيبراني.

الحرب السيبرانية لا تستهدف الحواسيب فقط

الخطر الأكبر يكمن في أن الأنظمة الصحية الحديثة مترابطة. فالمستشفى يعتمد على شركات الأدوية والمختبرات وشبكات الاتصالات وموردي البرمجيات والأجهزة الطبية والخدمات اللوجستية.

وبالتالي، فإن اختراق جهة واحدة في سلسلة الإمداد قد ينعكس على جهات أخرى.

وتشمل البنية الصحية الرقمية الواسعة أيضاً شركات التكنولوجيا الحيوية، ومختبرات التشخيص، ومصنعي الأدوية واللقاحات، وموردي تكنولوجيا المعلومات والأجهزة الطبية. وترى منظمة الصحة العالمية أن هذا الترابط المتزايد يوسّع نطاق المخاطر السيبرانية أمام القطاع الصحي.

كيف يمكن تقليل الخطر؟

لا توجد حماية مطلقة من الهجمات السيبرانية، لكن المؤسسات تستطيع تقليل آثارها من خلال تحديث أنظمتها بصورة مستمرة، وتدريب العاملين على اكتشاف رسائل الاحتيال والروابط المشبوهة، واستخدام نسخ احتياطية منفصلة للبيانات، وتقليل صلاحيات الوصول إلى المعلومات الحساسة، ووضع خطط واضحة للتعامل مع الهجمات قبل وقوعها.

وتشدد منظمة الصحة العالمية على أهمية الاستثمار في الأشخاص والعمليات والتكنولوجيا، إلى جانب تدريب العاملين وإجراء تمارين على خطط الاستجابة للحوادث، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الصحية والجهات الحكومية والأمنية والقطاع الخاص.

وفي آذار 2025، أطلقت منظمة الصحة العالمية في أوروبا دليلاً متخصصاً لتقييم وتعزيز النضج في مجال الأمن السيبراني وحماية الخصوصية في أنظمة الصحة الرقمية، في ظل توسع استخدام السجلات الإلكترونية والطب عن بُعد والتقنيات الطبية المتصلة.

معركة بلا دخان

الحرب السيبرانية تعيد تعريف مفهوم الخطر في القرن الحادي والعشرين. فلم يعد المريض مهدداً فقط بسبب نقص الدواء أو تضرر المستشفى بالقصف، بل يمكن أن يتعرض نظام الرعاية نفسه للشلل نتيجة هجوم يجري في فضاء رقمي غير مرئي.

ولهذا لم تعد حماية المستشفيات مسؤولية أطباء ومديري منشآت فقط، بل أصبحت جزءاً من الأمن الصحي والأمن الوطني. فحماية ملف المريض اليوم تعني حماية خصوصيته، وحماية المستشفى تعني حماية قدرته على الاستمرار، وحماية الشبكات الرقمية قد تعني في بعض الحالات حماية حياة الإنسان نفسه.

وفي عالم تتزايد فيه الحروب الهجينة وتتداخل فيه التكنولوجيا مع الخدمات الأساسية، قد يكون السؤال الأهم في المستقبل ليس: هل ستتعرض المؤسسات الصحية لهجوم سيبراني؟، بل: هل ستكون مستعدة عندما يحدث؟

- Advertisement -

- Advertisement -