لكل السوريين

اتفاقية مكة… هل ترسم السعودية ملامح نظام أمني جديد في الشرق الأوسط؟

في لحظة تشهد فيها المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ سنوات، جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان لتفتح باباً واسعاً أمام التساؤلات حول طبيعة التحولات الجارية في موازين القوى الإقليمية. فالمنطقة لم تعد تواجه أزمات متفرقة، بل تبدو أمام إعادة تشكيل شاملة لتحالفاتها الأمنية والعسكرية، وسط تصاعد التوتر مع إيران واستمرار تهديدات الحوثيين للملاحة والأمن الخليجي.

الاتفاقية، التي تنص على اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، تتجاوز كونها مجرد تفاهم دفاعي تقليدي. فهي تحمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة، مفادها أن الرياض تسعى إلى بناء مظلة ردع إقليمية تعتمد على شركاء يمتلكون ثقلاً عسكرياً واستراتيجياً؛ فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وتمتلك جيشاً كبيراً، بينما تُعد باكستان القوة النووية الإسلامية الوحيدة، إلى جانب الثقل الاقتصادي والسياسي الذي تمثله السعودية.

ويأتي هذا التطور في توقيت حساس، إذ تتحدث تقارير عن توقعات سعودية بإمكانية تعرض المملكة لهجمات منسقة من جماعة الحوثي وفصائل عراقية موالية لإيران، في ظل استمرار التوتر الإقليمي بعد أشهر من المواجهات غير المباشرة بين طهران وتل أبيب، وما تبعها من اضطرابات في البحر الأحمر والخليج.

لكن السؤال الأهم ليس في نص الاتفاقية، بل في البيئة التي ولدت فيها. فالسعودية خلال السنوات الماضية ركزت على مشاريع التنمية ورؤية 2030، وسعت إلى تخفيف حدة الصراعات الإقليمية عبر الحوار مع إيران واستعادة العلاقات الدبلوماسية. غير أن التطورات الأخيرة دفعت الرياض إلى إعادة الاعتبار لمعادلة الردع، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن أن يستمر دون مظلة أمنية قوية.

من جهة أخرى، لا تبدو إيران بعيدة عن حسابات هذا التحالف. فرغم أن المسؤولين السعوديين يؤكدون أن الاتفاقية ليست موجهة ضد دولة بعينها، فإن توقيتها والظروف المحيطة بها يجعلانها تُقرأ في طهران باعتبارها رسالة ردع مباشرة، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن تنسيق أمني وعسكري أوسع بين دول ترى في تنامي نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران تهديداً لأمنها القومي.

أما الحوثيون، الذين أثبتوا خلال الأعوام الماضية قدرتهم على استهداف العمق السعودي وتهديد خطوط الملاحة، فيمثلون أحد أبرز دوافع هذا التحرك. فكل تصعيد جديد من جانب الجماعة لا يقتصر أثره على اليمن، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي عبر التأثير في حركة التجارة والطاقة، ما يجعل أي تحالف دفاعي جديد معنيّاً بشكل مباشر بمواجهة هذا النوع من التهديدات.

مع ذلك، فإن نجاح اتفاقية مكة لن يقاس فقط بقدرتها على الرد العسكري، بل بقدرتها على منع اندلاع حرب جديدة. فالتحالفات الدفاعية تكون أكثر فاعلية عندما تحقق الردع وتمنع الخصوم من التفكير في التصعيد، لا عندما تتحول إلى مقدمة لصراع واسع قد يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة أكثر خطورة.

ويبقى المشهد مفتوحاً على عدة احتمالات. فإذا نجحت الاتفاقية في تعزيز التوازن الإقليمي، فقد تصبح نواة لترتيبات أمنية أوسع تشارك فيها دول أخرى. أما إذا تحولت إلى محور جديد في مواجهة محور مقابل، فقد تدخل المنطقة في سباق تحالفات يزيد من احتمالات التصعيد.

في النهاية، تبدو اتفاقية مكة أكثر من مجرد وثيقة دفاعية؛ فهي إعلان عن مرحلة جديدة تسعى فيها السعودية إلى الجمع بين الدبلوماسية والردع، وبين التنمية وحماية الأمن القومي. ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الأطراف كافة على تحويل هذا الردع إلى عامل استقرار، لا إلى شرارة مواجهة جديدة، لأن شعوب المنطقة باتت تحتاج إلى الأمن والتنمية أكثر من حاجتها إلى حروب إضافية.

- Advertisement -

- Advertisement -